مايكل صاحب الأختيارات الأخرى - قصة قصيرة

>> 31 May 2015



مايكل دائما ما كان يقول أن أهم يوم في حياته كان يوم 22 سبتمبر 2002. أنه اليوم الذي قام فيه المتنيح أنبا ميخائيل مطران أسيوط بسيامة مايكل أغنسطس (قارئ) بكاتدرائية أسيوط. درجة الأغنسطس متواضعة، و هناك المئات ممن يحملون تلك الدرجة في تلك الكنيسة، و لكن هذا لم يمنع مايكل من التفاخر بأنه لم يعد واحدا من عامة الشعب مثل باقي المسيحيين، بل أنه الآن أحد رجال الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. أنه من يقرأ الأسفار المقدسة على عامة الناس.
والدة مايكل ربته على التدين و الأشتراك في الطقوس الكنسية بأستمرار. واظب مايكل على الأشتراك في دروس اللغة القبطية و خدمة مدارس الأحد، بجانب دراسته بكلية الطب البيطري بجامعة أسيوط. لم يكن مايكل شخصا أجتماعيا. كانت حياته منقسمة بين الجامعة و البيت و الكنيسة. لا أصدقاء، لا أنشطة أجتماعية أو سياسية، لا رياضة، ولا قراءات غير كتب الدراسة. كان مايكل شابا مطيعا لوالديه في كل شئ، و أستمع لنصائحهم المستمرة بأهمية المذاكرة المستمرة حتى يستطيع التخرج و العمل بمهنة مربحة مادية.
حينما دعى سمير مايكل ان يحضر ندوة سياسية، قرر مايكل أن يستأذن أب أعترافه قبل أن يذهب. أب أعترافه غضب بشده، و اصر على أن يقوم مايكل بأستخراج عضوية بالحزب الوطني الديموقراطي. أبونا شرح لمايكل الدور الوطني الذي يقوم به الرئيس محمد حسني مبارك في مواجهة الأخوان المسلمين، و كيف أن كل السياسيين المسلمين هم أخوان متخفيين. الكسل منع مايكل من أستخراج عضوية الحزب الوطني، إلا أنه لم يمنعه من التصويت لمبارك في الأنتخابات الرئاسية في 2005، و من التصويت لمرشحي الحزب الوطني في أنتخابات مجلس الشعب في الجولة الأولى و الثانية بعد الأنتخابت الرئاسية مباشرة.
تخرج مايكل بتقدير مقبول من كلية الطب البيطري عام 2007. شعر أنه كان يستحق تقديرا أعلى، و أنه تعرض للظلم بسبب ديانته. "فى العالم سيكون لكم ضيق" كانت  كلمات المسيح التى دفعته لقبول الأمر الواقع. قرر مايكل أن يتحمل هذا الضيق بصمت، ولا يشكو أو يتزمر.
بمجرد أستلام شهادة التخرج، ذهب مايكل لمنطقة تجنيد أسيوط لتحديد موقفه من التجنيد. بعد سلسلة طويلة من الأجراءات الممله، تم أبلاغه أنه غير مطلوب للتجنيد مؤقتا. لاحظ مايكل أن معظم زملاؤه المسيحيين تم أعفاؤهم من التجنيد أيضا. يشعر مايكل أن المسيحيون غير مرغوب فيهم في الجيش، بل في مصر كلها. لم يشكو مايكل، بالعكس فرح أنه لن يضيع سنوات من عمرة في الطوابير و التمرينات السخيفة في معسكرات الجيش. فرح أنه سينجو من أضطهاد الظباط و الصولات له بسبب ديانته.
والد مايكل فرح كثيرا بقرار أعفاء مايكل من التجنيد. عم نبيل أتصل بأحد معارفه بالكنيسة، و قال له أن مايكل يبحث عن وظيفة في أحد شركات الأدوية. في خلال بضعة أسابيع كان مايكل يعمل بأحد شركات الأدوية المالتيناشيونال، ضمن فريق الشركة بصعيد مصر. كانت مرتبات الشركة مجزية، و في خلال بضعة أشهر أشترى مايكل سيارته الأولى، و بدأ في الأدخار من أجل الزواج.
بعد عامان من العمل بتلك الشركة الشهيرة، صارح مايكل والده برغبته في الزواج. قال لوالده ان هناك طبيبة بيطرية تصغره بعامين، أسمها مريم، تذهب إلى نفس الكنيسة التى يصلي بها مايكل. عم نبيل فرح جدا، و ذهبا سويا لعائلة البنت، وأتفقوا على التفاصيل المادية و ثمن الشبكة و أثاث المسكن و ما شابه. في خلال بضعة أشهر كان مايكل متزوجا من الفتاه البكر مريم، و سكنا سويا بشقة صغيرة بمنطقة فريال بمدينة أسيوط.
لم يكن الدكتور مايكل سعيدا حينما قامت ثورة يناير. أستمع في التليفزيون لحديث البابا شنودة الذي يروي فيه قداسته كيف أنه أتصل بالرئيس مبارك ليبلغه أن أولاده المسيحيين غير مشاركين في هذة الثورة. كان مايكل مقتنعا أن تلك المظاهرات و الأضطرابات ما هي إلا مؤامرة يقوم بها الأخوان المسلمين للوصول للحكم و أقامة الخلافة الإسلامية. كان يتمنى أن تنتهى المظاهرات في أقرب وقت، حتى لا تؤثر تلك الأضطرابات على مبيعات الشركة التي يعمل بها، و بالتالى حتى لا تتأثر عمولته من مبيعات الشركة.
لم يكن قرار الهجرة صعبا على مايكل. بالعكس، كان مايكل دائما ما يطلب من أقاربه بالخارج مساعدته على بدء حياة جديدة في دولة مسيحية. لكن رحيل مبارك من السلطة حول الهجرة في عقل مايكل من مجرد رغبة إلى قرار. لم يكن مايكل راغبا في أن يعيش في الخلافة الإسلامية التي سيبدأ الأخوان المسلمين في بناءها. أحد أقارب مايكل بالولايات المتحدة الأمريكية كتب له دعوة للزيارة، و بناء على هذة الدعوة حصل مايكل و زوجته مريم على فيزا سياحة لمدة ثلاثة أشهر من السفارة الأمريكية.
وصل مايكل لمطار جون كينيدى بنيويورك في نفس توقيت حادثة ماسبيرو. كان واقفا بطابور الجوازات بالمطار منتظرا دوره للدخول إلى أمريكا، و رأى ما يحدث بمصر على شاشات الأخبار بصالة المطار. يصلي مايكل من قلبه و يشكر المسيح أنه خلصه من الحياة ببلاد المسلمين. بعدها بيومين قدم مايكل و مريم طلبا باللجوء الديني للحكومة الأمريكية. روى مايكل في الطلب عن التمييز الذي يعاني منه مسيحيو مصر في التعليم و العمل. حكى عن أهانات زملاؤه المسلمون له. أستغل مايكل حادثه ماسبيرو، و قال أنه خائف من العودة لمصر لئلا يموت مثلما أستشهد المسيحيين في ماسبيرو. بالطبع لم يقل مايكل أن ذلك لم يكن واردا أصلا لأنه أجبن من أن يشارك في أي مظاهرة، حتى ولو كانت ضد التغير المناخي. مريم زوجته أخترعت قصة، بناء على نصيحة من الراهب القبطي بكنيسة نيويورك، و أدعت أن هناك مجموعة من الشباب الملتحين المسلمين حاولوا خطفها و اجبارها للتحول للإسلام، و أنها تخاف من العودة لمصر لئلا يتم خطفها. في خلال بضعة أسابيع، قبلت الحكومة الأمريكية طلب اللجوء الخاص بمايكل و زوجته، و تم السماح لهما بالأقامة و العمل بأمريكا. لم يتأخر القرار. الحكومة الأمريكية تعرف جيدا ما يحدث للأقليات الدينية في مصر.
منذ ذلك الوقت، يواظب مايكل و زوجته على الذهاب للكنيسة القبطية بالمدينة كل يوم أحد. القداس الأسبوعي بالكنيسة القبطية هو فرصة مميزة لأن يلتقي ببعض المسيحيين المصريين، يتحدثون العامية المصرية، و يتناقشون عن مجد مصر أيام الفراعنه قبل أن يغزوها العربان المسلمين، و يأكلون سويا الفول و الطعمية و باقي الأكلات المصرية التى يفتقدونها... القسيس، أبونا أرسانيوس، كان دائما ما يمتدح مريم و تدينها. و مايكل كان دائما يروي قصة خيالية أخترعها عن كيف أنه ألتقى مريم أثناء صلاة القداس و شعر أن الله أختارها له. لم يكن من المنطقى أن يقول مايكل الحقيقة أنه أختارها بسبب مؤخرتها الجميلة و طول شعرها... كلنا نعرف الحقيقة الصريحة: الناس يحبون سماع قصة جميلة، حتى و إن كانت غير حقيقية.
توقف مايكل عن ممارسة الجنس مع مريم بعد أقل من عامين بعد زواجهما. كانت مريم بكرا وقت زواجهما بدون أي خبرة جنسية سابقة. كان مفهوم مريم عن الجنس هو أن تستلقى على ظهرها و تفتح رجليها. مع الوقت، ملّ مايكل من ممارسه الجنس معها. شعر أنه يمارس الجنس مع جثة و ليس شخصا. أقترح عليها مرة أن يشاهدا بعض الأفلام الجنسية حتى يتعلما منها، فقالت مريم أنها ستسأل أب أعترافها أذا كان ذلك خطيئة أم لا، فصرف مايكل نظره عن الفكرة حفظا على ماء وجهة أمام القسيس. بالطبع لا يستطيع مايكل أن يمنع نفسه من النظر لمؤخرات الفتيات الرشيقات بشوارع نيويورك، و لكنه بالتأكيد لا يجرؤ على التفكير في خيانة زوجته لأن ذلك سيؤثر على نظرة أصدقاؤه في الكنيسة له أذا ما أنكشف الأمر.
فرح مايكل كثيرا بثورة 30 يونيو المجيدة، و بتدخل الجيش المصري العظيم لأنهاء الحكم الإسلامي للأرهابي محمد مرسي. ذهب مايكل بعدها في أتوبيس الكنيسة لتحية القاعد العظيم عبد الفتاح السيسي أمام مبنى الأمم المتحدة. ظل مايكل يردد لأصدقاؤه الأمريكيين أن مصر تحتاج لدكتاتور يقمع المسلمين، لأن الديموقراطية في مصر ستؤدي إلى حكم الجماعة الأرهابية... بالطبع لم يفكر مايكل بالعودة لمصر ليعيش في حماية الجينرال السيسي، و لم يفكر في أبلاغ الحكومة الأمريكية أن لجوءه بالولايات المتحدة لم يعد ضروريا بعد وصول المسيح المخلص الفيلد مارشال لحكم مصر. فليعش المصريون في نعيم الفيلد مارشال، و ليعش هو في أميركا يشكو سويا مع أصدقاؤه من اليمين الأمريكي من مؤامرات أوباما المسلم لأسلمة أمريكا.
الليلة سمع مايكل على قناة الكنيسة المصرية قصة رائف بدوي. القسيس قال أن مملكة الشر و الفساد السعودية تسجن و تجلد الشاب رائف بدوي لأن رائف لم يعد يؤمن بخزعبلات الإسلام. شعر مايكل بالفضول، ففتح اللابتوب و بدأ البحث على جووجل عن رائف بدوى. نتائج البحث أشارت إلى أن هناك 50 مليون موقع يتحدثون عن رائف بدوى. شعر مايكل أن رائف بدوي شخص مهم جدا... فضول مايكل دفعه لأن يجرب البحث عن أسمه. كتب في مربع البحث "مايكل نبيل سند". نتائج البحث "صفر". قرر أن يبحث عن أسمه الثنائي فقط. كتب في مربع البحث "مايكل نبيل". جووجل وجد ثلاثة نتائج للبحث. واحدة عن مغني البوب الأمريكي مايكل جاكسون يقول فيها شاب من الأمارات "مايكل جاكسون شخص نبيل"، و الأخريتان أغنيتان لمغني شاب مصري يحمل نفس الأسم!
أغلق مايكل اللابتوب و أستلقى على الكنبة، التى اصبحت مكان نومه بعدما توقف عن مشاركة السرير مع مريم. الأرق منع مايكل من النوم. كان مذهولا من أنه لا يوجد أي نتيجة بحث عنه عن الأنترنت. لقد عاش حياة هادئة جدا. سار بجانب الحائط طول حياته. لم يعترض، لم يثر، لم يفتح فاه. أحنى رأسه أمام كل ريح. لم يظهر في أي تليفزيون طول حياته، ولا حتى في برنامج الكاميرا الخفية. لم تكن له مغامرات نسوية.
ينظر مايكل إلى السقف شاردا و هو يفكر: ماذا سيكون شكل حياته لو كان أختار أختيارات أخرى؟ ماذا لو كان قال لا؟ ماذا لو لم يكن مطيعا لوالدية؟ ماذا لو لم يتزوج مريم؟ ماذا لو كان ذهب مع سمير لتلك الندوة؟ ماذا لو كان بقى في مصر؟ ماذا لو ترك هو المسيحية كما ترك رائف بدوي الإسلام؟ ماذا لو كان مايكل نبيل قرر أن يكون شخصا آخر غير مايكل نبيل الذي يعرفه عم نبيل و الدكتورة مريم و أبونا أرسانيوس؟


0 comments:

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP