أستفتاء أيرلندا و تناقضات أوروبا

>> 30 May 2015


يوم الجمعة الماضي دخلت أيرلندا التاريخ، و أصبحت أول دولة تقوم بتشريع زواج المثليين من خلال أستفتاء شعبي. حيث صوت ما يقرب من 62% من الأيرلنديين مؤيدين أن يحصل المثليين جنسيا على حقوقا متساوية للمغايرين جنسيا في الزواج. كثير من المحللين أشاروا لما حدث بأعتباره طفرة ثقافية تحررية في دولة أعتاد العالم على النظر إليها بأعتبارها دولة كاثوليكية تقليدية محافظة.
و لكن البعض ينسى أن أيرلندا حتى يومنا هذا لا يوجد فيها أختلاط بين الذكور و الإناث في معظم المدارس حتى يومنا هذا. حيث أن أكثر من 90% من المدارس بأيرلندا مملوكه للكنيسة الكاثوليكية، و الكنيسة الكاثوليكية تصر على أن تفصل بين مدارس للذكور و مدارس للإناث. و رغم أن هذة المدارس خاصة و مملوكة للكنيسة، إلا أن الدولة تنفق على هذة المدارس من أموال جامعي الضرائب. و هذة المدارس، مثل الكثير من المدارس الكاثوليكية، لا تخلو من أعتداءات جسدية و جنسية من القسوس و الراهبات على الأطفال و التلامذة.
أيرلندا أيضا أدخلت حديثا قانونا يجرم أزداء الأديان. حيث فوجئ الأيرلنديون أنه ليس لديهم قانونا يجرم أزدراء الأديان. و لأنه لا يمكن للأيرلنديين أن يكونوا أقل من السعوديين و الماليزيين و المصريين، قام المشرعون الأيرلنديون بأصدار قانون يجرم أزدراء الأديان في عام 2009. الأيرلنديون أيضا محافظين فيما يتعلق بتقنين الأجهاض، بل أن العديد من المنظمات الحقوقية الأيرلندية رفضت الأشتراك في حملات تدعم حق المراة التي تعرضت للأغتصاب في أجهاض طفلها.
و ليست أيرلندا وحدها التي تعيش بين صراع تلك التناقضات. فهذة التناقضات الحضارية تعصف بأوربا من شرقها لغربها. على سبيل المثال، يشير الكثيرون لألمانيا بأعتبارها بلد متحررة سمحت للمرأة بتبوء أعلى المناصب، حيث تشغل المستشارة أنجيلا ميركل منصبها منذ عام 2005 كأول سيدة ترأس الحكومة الألمانية في تاريخ ألمانيا. و لكن الكل ينسى أن ميركل، أبنه القسيس البروتستانتي، تقود الحزب المحافظ الألماني CDU، و أن أكثرية الألمان صوتوا لصالح الحزب المحافظ في الأنتخابات الثلاثة الأخيرة. ميركل و حزبها المحافظ يرفضون التعددية الثقاقية، و يعادون المهاجرين، و أصدروا حزمة تشريعات تقيد من حصول الأجانب على الجنسية الألمانية، و تميز ضد الأجانب في سوق العمل. ميركل أشتركت في الماضي في تسليح بشار الأسد بأسلحته الكيمياءية، و باعت أسلحة متطورة للسعودية و مصر و غيرها من الدول القمعية. ميركل أيضا ترى أن المسيحية جزء أساسي من هوية ألمانيا، و موقفها في معالجة مشكلة التطرف الإسلامي كان مجرد حلقة من تبويس اللحى على الطريقة المصرية دون محاولة التخلص من التمييز المنهجي الذي تعاني منه الأقليات في ألمانيا.
الحقيقة أنه في السنوات الخمس الأخيرة، عانى الليبراليون الأوربيون من هزائم أنتخابيه متتالية في جميع أنحاء أوربا بأستثناء هولندا. المحافظين و القوميين و الفاشيست هم من يصوت لهم أكثرية الأوربيين حاليا، و ليس الليبراليين و المدافعين عن حقوق المثليين جنسيا. الأنتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة كانت تاريخية مثل أستفتاء أيرلندا، لأنها كانت أول مرة لا يحصل فيها الحزب الليبرالي الألماني FDP على أي مقعد بالبرلمان، بينما قرر الحزب الأشتراكي SDP خيانة تحالفه الأنتخابي مع حزب الخضر، و تحالف مع الحزب المحافظ الذي تقوده أنجيلا ميركل.
أنتخابات البرلمان الأوربي في مايو 2014 لم تختلف عن ذلك كثيرا، حيث فازت الأحزاب المحافظة و اليمينية المتطرفة بأكثر من نصف مقاعد بالبرلمان الأوربي، بينما خسر الليبراليون 24 مقعدا بالبرلمان، و خسر الأشتراكيون الديموقراطيون أحدى عشر مقعدا.
في فرنسا، الدولة الأوربية التي يوجد بها أكبر تعداد سكاني لمواطنين من أصول مهاجرة، يجني اليمين المتطرف و حزب الجبهة القومية بقيادة ماري لوبان أنتصارات سياسية متتالية، وسط خوف كبير من أن تفوز لوبان بالأنتخابات الرئاسية القادمة المقررة عام 2017. الفرنسيين ذوي الأصول المهاجرة أتى معظمهم لفرنسا بأعتبارهم مواطنين فرنسيين حينما كانت فرنسا تستعمر بلادهم. الآن أولئك الفرنسيون ذوي الأصول المهاجرة يشعرون أنه لا مكان لهم في فرنسا بسبب لونهم و أصلهم العرقي. اليهود الفرنسيين يهاجرون بأعداد كبيرة لإسرائيل لدرجة أن أسعار العقارات بتل أبيب و مناطق أخرى في إسرائيل أرتفعت بشدة بسبب أعداد المهاجرين اليهود الفرنسيين. باقي الفرنسيون ذوي الأصول المهاجرة ليسوا بذلك الحظ، حيث ليس لديهم دولة يمكنهم أن يذهبوا إليها.
هوية أوربا بين المسيحية و العالمانية تناقض لم يستطيع الأوربيين التخلص منه حتى اليوم. فعلى الرغم من أن العالمانية هي أسلوب الحكم التقليدي في أوربا في العقود الأخيرة، إلا أنه لا يوجد فصل كامل بين الكنيسة و الدولة في كل دول الأتحاد الأوربي بأستثناء فرنسا. ألمانيا و الدنمارك و أيرلندا و أيطاليا و اليونان و بولندا لديهم قوانين تجرم أزدراء الأديان. في بريطانيا ترأس الملكة الكنيسة و الدولة. في ألمانيا، تقوم الدولة بجمع ضرائب للكنائس و المعابد اليهودية، بينما لا تقوم بنفس الشئ للمساجد. في أيرلندا و النرويج و غيرها من الدول الأوربية تصرف الدولة من أموال جامعي الضرائب على ترميم الكنائس و تمويل المدارس الدينية. و في أيطاليا، حيث يتم قذف وزيرة سوداء بالفاكهة بسبب لونها، لاتزال بركات رجال الكنيسة تؤثر على نتائج تصويت الناخبين.
حدود أوربا و علاقتها بالإسلام تناقض أيضا يعجز المواطنين الأوربيين عن مواجهته. نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي السابق، كان قد أعترض على فكرة أنضمام تركيا للأتحاد الأوربي متحججا أنه لن يستطيع أن يشرح لطلبة المدارس في فرنسا كيف أن حدود أوربا تمتد حتى آسيا الصغرى. العجيب أن ساركوزي لا يجد مشكلة في أن يشرح للتلاميذ الفرنسيين أن المستعمرات الفرنسية في أمريكا اللاتينية و المحيط الهادي جزء من أوربا. العجيب أيضا أن الفرنسيين يريدون أن يقنعوا مواطنيهم ذوي الأصول الأفريقية أن فرنسا نادمة عن تاريخها و جرائمها الأستعمارية، بينما لازال الفرنسيون يحتفظون ببعض تلك المستعمرات حتى يومنا هذا.
أستفتاء أيرلندا قد يكون مؤشرا على بداية أنفتاح في أحدى قلاع الكاثوليكية بأوربا. و لكنه أيضا مؤشر على صراع بين متناقضات سياسية و أجتماعية و ثقافية و دينية و تاريخية تعبر بها أوربا. هذة المتناقضات هي السبب في أن الأوربيين قد يصوتون على قرار متحرر جدا يوما، ثم يصوتون على قرار محافظا في اليوم التالى مباشرة. أوربا أعقد من أن يتم أختزالها في أستفتاء جرى هنا أو هناك. و المعضلة الحقيقية أنه لا أحد يعلم في أي طريق ستسير أوربا في السنوات القادمة.

*  نُشر هذا المقال أولا باللغة العربية على موقع ساسة بوست.
  

2 comments:

Yara Ahmed 17/02/2016, 12:27  

وداعًا «الأستاذ»| وفاة هيكل عن عمر يناهز 93 عامًا
http://journas.com/article/12906

Arzu Cantürk 07/04/2016, 12:57  

This beautiful, and useful information for lessons that you taught us to thank you very much for.
You did such a beautiful paylasimlar. We know a very nice advantage of these shares.
Such Kuželka issues continued to expect every time.
Thank you so much.
You have a good thing.
Sesli Chat ne-nerede nenerede bonibon
speakychat sesliduy sesliduy sesliduy sesliduy seslichat seslichat seslichat sesli sohbet seslisohbet seslichat seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslicevher seslisayfam seslicevher seslicevher sesli dunya seslidunya sesli dünya seslipop seslipop seslipop kral tv sesli 18 web tasarim video klip videoklip faceebook kürtce chatSchlüsselnotdienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP