الصراع بين التراث والحداثة في مصر

>> 11 May 2015


مصر بين حرق الكتب و خلع الحجاب

يبدو أن مصر لن تعرف طريق الأستقرار قريباََ. فالغضب السياسي الذي تأجج في يناير 2011، تحول بعد أنقلاب يوليو 2013 إلى غضب ديني وإجتماعي. الثورة السياسية ربما تكون قد أنتهت، لكن من الواضح أن هناك ثورة فكرية مشتعلة على الأرض. جميع المسلمات التقليدية التى جلّها المصريون خلال العقود الماضية أصبحت مثاراً للنقد والتشكيك. فالأحداث والنقاشات التي شهدتها مصر في الأسابيع الماضية كشفت عن صراعًا عميقا بين طرفين متقاربين في القوة، أي بين من يقدسون التراث والتقاليد وبين أنصار الحداثة والتحرر وحقوق الأنسان.
أشتعل الرأي العام المصري مؤخراً بحادثة حرق الكتب في إحدى مدارس الجيزة بحضور أحد ممثلي وزارة التربية والتعليم. مسئولو المدرسة أحرقوا في 6 أبريل الكتب التي يدّعون أنها تروج للعنف، بينما كانوا ينشدون الأغاني الوطنية والقومية، في حادثة تعيد للأذهان محارق النازيين للكتب. العجيب أن كثير من الكتب المحروقة لا تروج لأي عنف، فمن بينها كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ على عبد الرازق، أحد أهم المراجع الإسلامية في دحض فكرة الخلافة أو وجود نظام حكم في الإسلام، وهو الكتاب الذي يُعد من أهم الكتب التنويرية في العالم الإسلامي.
وبعد تلك الحادثة ببضعة أسابيع، أشتعل الرأي العام المصري بدعوة أحد الصحفيين لتظاهرة مليونية لخلع الحجاب. صاحب الدعوة، شريف الشوباشى، يصر على أن الحجاب لا علاقة له بالإسلام، بل أنه أحد رموز الدولة الدينية والإسلام السياسي. الدعوة أشعلت جدلا بين من يعادون الحجاب بأعتباره رمزا لقهر حرية المرأة، وبين من يدافعون عنه بأعتباره زيا إسلاميا وبأعتبار الهجوم على الحجاب أعتداء على حرية المرأة في أختيار ملبسها.  
في نفس الوقت، تابع مئات الآلاف من المصريين مناظرة على الهواء بين الباحث المسلم إسلام البحيري و أثنين من شيوخ الدين الإسلامي. البحيري كان يجادل بأن كتب الحديث المنسوبة لرسول الإسلام لا يجب أعتبارها نصوصا مقدسة في الإسلام. النقاش أمتد الى العديد من الأمور الجدلية في الفكر الإسلامي، مثل زواج القاصرات، وحد الردة، وأحقية النقاش في الدين لغير خريجي المؤسسات الدينية. السيسي من جانبه قال مؤخراً بأن الأصلاح الديني يجب أن يتم من خلال مؤسسات الدولة، وتصريحاته تكشف عن صراعا أعمق بين من يرون أن الخطاب الديني تحدده المؤسسات الدينية، وبين من يرون أن الدولة هي من يجب أن تقوم بذلك.   
للأسف، فأن العقلية الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها جعلت العالم عاجز عن أن يرى في مصر إلا العنف والاقتتال . إلا أنه في الواقع هناك العديد من الأفراد والمنظمات التي قد تساهم في تشكيل وتحديث عقلية الشعب المصري. لكن الصراع الفكري الحادث في مصر يقدّم فرصة ومخاطرة في ذات الوقت. فهو فرصة لاحداث تنوير إسلامي ينهي عزلة المجتمعات الإسلامية عن الحضارة الإنسانية، ومخاطرة حيث أن الأصوليين قد ينتصرون إذا ما فشلت دعوات الإصلاح. العالم من جانيه عليه أن يختار بين أن يقف محايداً متفرجا على هذا الصراع الفكري، أو أن يتخذ دوراً فيه.

* تم نشر هذا المقال أولا بالعربية و الأنجليزية على منتدى فكرة.


1 comments:

Yara Ahmed 17/02/2016, 12:30  

وفاة بطرس غالي.. و"الوقيعة" بين الشعب والداخلية http://journas.com/article/12900

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP