سبعة نصائح للمشاركين في حملات الأفراج عن السجناء السياسيين

>> 27 January 2015





أهداء إلى رائف بدوي و وليد أبو الخير و سائر المعتقلين في المملكة العربية السعودية.

منذ أنفجار ثورة الياسمين في تونس في دسمبر 2010، و هناك صراع سياسي في منطقة شمال أفريقيا و الشرق الأوسط بين الأنظمة القمعية التي حكمت المنطقة منذ عقود، و بين مجموعات من النشطاء المطالبين بالتحول الديموقراطي و حقوق الأنسان. هذا الصراع السياسي كان من أحدى نتائجه زيادة رهيبة في أعداد المعتقلين السياسيين في المنطقة. مصر وحدها قُدر عدد المعتقلين السياسيين في العام الأخير فيها بأكثر من 40 ألف معتقل. لا أحد يعلم بدقة أعداد المعتقلين السياسيين في المملكة العربية السعودية أو في الجمهورية العربية السورية. حتى الدولة الإسلامية الناشئة أصبح لديها معتقلين محليين و أجانب، يشارك البعض في حملات للأفراج عنهم. الكثير من الشباب و الكهول يجدون أنفسهم يوميا في أضطرار للمشاركة في حملة للأفراج عن صديق أو قريب أعتقلته أحد الأنظمة المستبدة بقوانينها القمعية.
قد أكون أنا أحد الأفراد القليلين الذين أختبروا المحلات السياسية من الأتجاهين، سجينا أحيانا و مدافعا عن السجناء في أحيان أخرى. فمنذ عام 2005 و أنا أشارك أو أدير حملات للأفراج عن سجناء سياسيين بمصر و الدول المجاورة، و في نفس الوقت تم أعتقالي خمسة مرات بسبب نشاطي السياسي و أختبرت بنفسي أي الأدوات ساعدت في الأفراج عني و أي الأدوات كانت بلا جدوى. و نظرا لأنه من الواضح أن القمع في طريقه للصعود أكثر و أكثر في دول المنطقة، فأعتقد أنه من المهم أن أشارك قراءي ببعض النصائح التي ستفيدهم أثناء مشاركتهم في أي من حملات الأفراج عن المعتقلين السياسيين.

1-      تأكد أولا من عدالة قضيتك
أنت في طريقك لأن تستثمر وقتك و مجهودك و ربما نقودك في الدفاع عن قضية معينة. قد تعرض حياتك أو سلامتك أو حريتك للخطر بسبب نشاطك هذا. أذن يجب أولا أن تتأكد من أن ما ستقوم به يستحق المجهود و المخاطرة الذين ستخوضهما. خذ وقتك في دراسة القضية التي أمامك. أقرأ عن هذا المعتقل و عن سبب أعتقاله. هل تم سجنه بسبب آراءة السياسية أو الدينية أم بسبب جريمة أرتكبها؟ أسأل نفسك، لو كان نفس الشخص أرتكب نفس الفعل في دولة ديموقراطية، هل كان سيتم أعتقاله أيضا؟ لا تنقاد مع القطيع. ليس معنى أن هناك الكثيرين يدافعون عن شخص، أنه لم يرتكب جريمة.
في خلال السنوات السابقة، رأيت الكثيرين ممن قالوا أنهم ندموا لأشتراكهم في بعض حملات الأفراج عن بعض السجناء. أنا شخصيا نادم على مطالبتي بحرية بعض الأفراد، بعد أن أكتشفت لاحقا أنهم لم يكونوا سجناء سياسيين و أنما معتقلين بسبب عنف مارسوه أو بسبب وجود دليل جاد يستحق التحفظ عليهم أثناء فترة التحقيق... أن تقضي بضعة أيام تدرس قضيتك قبل العمل فيها، أفضل من أن تقضي شهورا متطوعا من أجل قضية ثم تندم باقي حياتك على ما فعلته.
الدفاع عن المشاركين في أعمال عنف قد يضر بنضالك السلمي. غاندي في نضاله السلمي من أجل تحرير الهند من الأحتلال البريطاني كان يصر على أبعاد نفسه عن أي مناضل هندي يستخدم العنف ضد الأنجليز. لا يمكنك أن تدعي أن نضالك سلمي و غير عنيف، و أنت في ذات الوقت تبرر السلوكيات العنيفة. كل النضال السلمي الذي تقوم به سيكون بلا جدوى أذا ربط الناس بينك و بين شخص يمارس العنف.

2-      أعتقالك لن يفيد من تطالب بحريته
يجب أن تدرك أن من تدافع عن حريته لن يستفيد شئ أذا ما تم أعتقالك. بالعكس، أعتقالك سيزيد من عدد المعتقلين السياسيين، و سيزيد من أرهاق الحقوقيين و المدافعين عن المعتقلين السياسيين. طالما أنت حر، فبأمكانك أن تبذل مجهودا، مهما كان قليلا، من أجل حرية السجناء السياسيين. و لكن أذا ما تم سجنك، فمن تطالب بحريته سيخسر واحدا ممن يعملون على حريته. الحملات السياسية ليست مكانا للأستعراض السياسي أو التنافس على دور البطولة، و أنما حملات براجماتية لها أهداف محددة و واضحة.
المثال الأفضل على ذلك هو الصراع القائم في مصر حاليا على قانون التظاهر. القانون بالطبع قاسي ولا يوجد مثيل له في الأنظمة الحرة. لكن رد الفعل الأستعراضي لم يساهم في تغيير القانون. نظاهر بعض النشطاء بدون تصريح تحديا للقانون، فتم الحكم عليهم بالسجن. فتظاهر أفراد آخرين بدون تصريح مطالبين بالأفراج عمن سبق القبض عليهم، فتم القبض على المتظاهرين الجدد و الحكم عليهم بالسجن. ماذا أستفاد السجناء السابقين من سجن مجموعة جديدة من النشطاء بسبب نفس القانون الظالم؟ بالعكس، بعض السجناء الجدد أصبحوا أكثر شهرة من السجناء السابقين، و نسى الناس من تم أعتقالهم أولا. السياسة هي فن الممكن، و عليك أن تفكر في الأداة التي يمكنك من خلالها الوصول لهدفك بدون أن تضر أحدا، و ليست أندفاع أهوج مع القطيع للتنافس فيمن أكثر ثورية!


3-      الحملات الأعلامية أهم من قاعة المحكمة
أعتقد أنك تعرف مسبقا أن القضاء في دول المنطقة ليس مستقلا، و أن معظم أحكامه مسيسة. في حالات أستثنائية نادرة، يقرر أحد القضاء الشرفاء الأفراج عن شخص برئ أعتقلته السلطات، و لكن هذا هو الأستثناء من القاعدة. الواقع أن المعتقلين السياسيين يتم الأفراج عنهم حينما يكون هناك ضغط كافي على الأنظمة السياسية من أجل الأفراج عن المعتقلين.
لذلك لا تستنفذ وقتك و مجهودك في التعامل مع البيروقراطية داخل المحاكم و المجادلات القانونية. جميع الحملات التي شاركت فيها أنتهت بقرار سياسي، و الأفراج عني شخصيا كان يتم بقرار سياسي و ليس بقرار قضائي. المحاميين قد يستهلكون وقتك الثمين الذي يمكن أستخدامه في بدائل أكثر جدوى. في المحاكمتين العسكريتين التي خضتهما لم يكن هناك دليلا ماديا ضدي، و مع ذلك تم الحكم ضدي لأسباب سياسية. و بعدها تم العفو عني بقرار رئاسي لأسباب سياسية أيضا. أدراكي أن الحملات الأعلامية هي من يمكن أن تحررني، كان السبب في أني قاطعت محاكمتي أمام القضاء العسكري في أغسطس 2011. مهما كنت قدمت أدلة تثبت براءتي للمحكمة، كانت المحكمة ستدينني لأسباب سياسية. ببساطة، أستهلك مجهودك في خلق ضغط سياسي، و أترك المحاكم و الألعاب القانونية للمحاميين فهم أدرى بها.

4-      السكوت لا ينفع أبدا
بعد كل حادثة أعتقال سياسي، ستجد أحد الأفراد يدعي أنه صديق و حريص على مصلحة صديقك المعتقل، و ينصحك بالبعد عن "الشوشرة". قد يكون أحد الأقارب أو الأصدقاء أو المحاميين أو حتى أحد أفراد النظام الحاكم. سيقول لك أن صديقك المعتقل ليس من مصلحته وجود ضوضاء في الأعلام. سيقول لك أن صديقك سيخرج قريبا أذا صمتت انت، و ان الحملات الأعلامية ستدفع السلطات لمزيد من العناد. قد يعرض عليك تدخله الشخصي من أجل حرية صديقك في مقابل أن تصمت تماما. ببساطة، هذا الشخص يطلب منك أن تتخلى عن سلاحك الوحيد "الصراخ"!
للأسف، الأنظمة القمعية لا تفهم إلا لغة القوة. اذا كنت ضعيفا، ستزيد الأنظمة قمعا. أستسلامك و توافقك سيجعل الأنظمة تطمع أكثر فيك. يقول المثل: أذا أعطيت للشيطان أصبعك، فسيأخذ يدك كلها. أنا شخصيا لا أفضل أسخدام القوة العنيفة، لأنها ببساطة ستعطي للأنظمة مبررا لأستخدام المزيد من العنف. اللاعنف يمثل قوة لا يستهان بها في العمل السياسي، و يسميه البعض "القوة الناعمة". الحملات الأعلامية هي مصدر قوتك، و قوتك هي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام القمعي. حينما تصمت، فأنت ببساطة تترك سلاحك الوحيد. و كلما يعتقد النظام القمعي أنك ضعيف، سيزيد قمعه لك. لقد شاركت في عشرات الحملات من أجل الأفراج عن المعتقلين السياسيين، و لم أمر بحالة واحدة كان فيها السكوت لمصلحة السجين السياسي. بالعكس، السكوت كان دائما يسمح للسلطات بالتنكيل بالمعتقل في صمت و هدوء. لا تذبح صديقك بصمتك!

5-      الكم و الكيف كلاهما لا يمكن الأستغناء عنهما
في الحملات الأعلامية، يهدف معظم الأشخاص في الحصول على تضامن أكبر مجموعة ممكنة من البشر. يستخدم النشطاء وسائل التواصل الأجتماعي لتوصيل رسائلهم و يطالبون الجمهور بالمشاركة في بعض الأنشطة التي تؤكد على تضامنهم. جمع التوقيعات على بيانات للمطالبة بالأفراج عن أحد المعتقلين هو أهم الأدوات التي يستعرض بها المشاركين حجم التضامن مع قضيتهم.
لكن الذي يهمله الكثيرين هو أن نوعية المتضامنين لا تقل أهمية عن عددهم. يجب أن تستثمر جزءا من مجهودك للحصول على تضامن الأفراد و المنظمات ذوي القوة السياسية، كالسياسيين و الحقوقيين و الفنانين و الرموز الدينية و الأعلاميين. بالطبع، أولئك الأشخاص لن يعطونك تضامنهم بسهولة، و قد تستهلك وقتك محاولا أقناعهم بلا جدوى. و لكن في نفس الوقت أنضمام أحدهم لحملتك سيعطيها قوة معنوية غير قليلة.
المشاهير ليسوا هم الفئة الوحيدة التي تحتاج لتضامنها. ما تحتاجه أكثر هو التضامن من الأشخاص المختلفين معك سياسيا. أذا كان المتضامنين مع حملتك هم فقط أفراد من تيارك السياسي أو الديني، فأن قضيتك سيتقبلها الناس على أنها قضية تخص جماعة معينة. أنت تحتاج أن تجعل قضيتك قضية أنسانية يتفق عليها الجميع بغض النظر عن أختلافاتهم السياسية و الدينية. كلما كان الشخص أكثر أختلافا معك في الرأي الديني أو السياسي، كلما كان تأثير تأييده لحملتك أكبر. لأنه وقتها ستكون القضية أمام الرأي العام قضية حقوق أنسان و ليست قضية فصيل سياسي أو ديني محدد.

6-      لا تقلل من شأن قضيتك أبدا
يجب أن تدرك أنك لا تستطيع أن تقنع الناس بقضيتك ما لم تكن أنت نفسك مقتنعا بها. و لا يمكنك أن تجعل الناس يحترمون من تدافع عنه، ما لم تحترمه أنت أولا. لا تقلل من شأن قضيتك أبدا. أذا كانت قضيتك عادلة، فلا تخجل منها، ولا تستخدم أساليب تقلل من قيمتها.
على سبيل المثال، يطالب البعض بالأفراج عن فلان لأنه "سنه صغير" أو لأنها "بنت" أو لأن "مستقبله هيضيع". هذة المبررات تقلل من قيمة القضية. فلان يجب أن يكون حرا لأنه برئ، و ليس لأنه صغير السن أو أنثي أو طالب. أذا لم يكن هذا الشخص بريئا، فالعدالة أن يتم سجنه بغض النظر عن سنه أو جنسه أو وضعة الدراسي.
نفس الشئ يقال عن المضربين عن الطعام. المعتقل السياسي المضرب عن الطعام يجب أن يتم أطلاق سراحه لأنه برئ، و ليس "حفاظا على حياته". أذا أضرب قاتل أو أرهابي أو مغتصب عن الطعام مطالبا بالحرية، فليس من المعقول أن يتم أطلاق سراحه حفاظا على حياته. الشخص المضرب عن الطعام لو كان يكترث للحفاظ على حياته ما كان أضرب عن الطعام أصلا. القضية هي كون الشخص برئ أو غير برئ. أستخدامك لأعذار تقلل من قيمة قضيتك سيضعف حجم التعاطف مع قضيتك، و سيقلل من أقتناع الناس مع عدالتها.

7-      التحالفات مصدر قوتك الأهم
تختلف حملات الأفراج عن المعتقلين السياسيين في قوتها و حجمها حسب عوامل كثيرة. بعض الحملات تنجح في تحقيق هدفها و الأفراج عن المعتقلين في خلال ساعات. بعض الحملات الأخرى قد تضطر للأستمرار لسنوات حتى يستجيب النظام القمعي للضغوط. أذا لم تكن محظوظا، فأنت أمام طريق شاق و مجهود كبير للوصول إلى هدفك. و لذلك فأنت تحتاج لبناء تحالفات مع مجموعات أخرى منظمة. العمل بمفردك سيكون أكثر أرهاقا و أقل ثمارا من العمل من خلال تحالفات.
أذا كنت تنتمي لأقلية دينية، لماذا لا تتواصل مع الأقليات الدينية الأخرى و تتحالف معهم؟ يمكنك أن تتضامن معهم في قضاياهم، في مقابل أن يتضامنون معك في قضيتك. أذا كنت تنتمي لحزب سياسي، أعرض التحالف على الأحزاب السياسية الأخرى. بالتأكيد هناك العديد من المعتقلين السياسيين في بلدك أو في الدول المجاورة. تحالف مع حملات الأفراج عنهم. ساعدهم في أنشطتهم للأفراج عن معتقليهم، في مقابل أن يساعدوك هم في أنشطتك للأفراج عمن تدافع عن حريته.
في بناء التحالفات يجب أن تدرك شيئين مهمين. أولا: أنك يجب أن تقدم شيئا. أذا لم تقدم للآخرين تضامنا أو دعما، فلن يكون لديهم دافع للتحالف مع حملتك. ثانيا: لا تدع أحد يستغلك. نعم التحالفات تقتضي أن تقدم مساعده ة دعمك لحلفائك و قضاياهم، و لكن دون أن يقلل هذا من تركيزك في قضيتك الأساسية و هي حرية المعتقل السياسي الذي تشارك في حملة الأفراج عنه. عليك أذن أن تخلق توازنا بين ما تقدم لحلفاءك و ما يقدمونه لك.

خاتمة
نحن محظوظين لأننا لا نعيش في العصور الوسطى، في الأوقات التي كان فيها المخالفون يتم حرقهم أو شنقهم فورا. و لكني لا أعتقد أننا سنكون محظوظين بالقدر الكافي لنرى يوما كوكب الأرض بلا سجناء سياسيين. أنه قدرنا أن نعيش باقي حياتنا ندافع عن سجناء سياسيين في كل مكان، في سوريا أو كوريا أو فينزويلا، أو في أي مكان آخر من باقي بقاع ذلك الكوكب الذي يأبى أن يعيش يوما بلا قهر.


0 comments:

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP