الحركة المعارضة للتجنيد الإجباري في مصر تكتسب زخما جديدا

>> 26 January 2015



"كل سلاح يتم تصنيعه، و كل سفينة حربية يتم أطلاقها، كل صاروخ يتم أطلاقه، هو مال مسروق من الجائعين الذين لا يجدون طعاما" الرئيس الأمريكي الأسبق أيزنهاور.



معترض ضميري جديد
يوم السبت 10 يناير 2015، أعلن مارك نبيل سند – 22 عام – أعتراضه الضميري على الخدمة العسكرية في مصر، و أستعداده لتحمل نتائج قراره. خطوة ليست شائعة في مصر. مارك في بيانه ذكر أنه يعتبر رفضه للخدمة العسكرية "مسئولية تجاه اجيال قادمة يجب الا تورث هذه العبودية المسماة التجنيد الاجباري". البيان ذكر خمسة أسباب لرفض الخدمة العسكرية أهمها رفض أستخدام العنف لحل الصراعات، و رفض الأنضمام لمؤسسة لها تاريخ في أنتهاك حقوق الأنسان بمصر، و كذا رفضه لأستخدام الجيش المصري للمدنيين كدروع بشرية من خلال وضع نقاطه العسكرية ضمن المناطق السكنية.
كان مارك قد مثل لأجراءات الكشف الطبي بمنطقة تجنيد أسيوط في مايو الماضي طبقا للقانون، وقتها قام بأبلاغ المسئولين بالمنطقة عن رفضه للتجنيد الإجباري و لدور الجيش بعد أنقلاب يوليو 2013. تم توقيف مارك مباشرة و أحتجازة لعدة ساعات بمكتب المخابرات الحربية بمنطقة تجنيد أسيوط، أعقبه تحقيقا آخرا بمقر المخابرات الحربية برابعة العدوية بالقاهرة. أدارة التجنيد و التعبئة قررت بعدها تعليق أجراءات تجنيده، و لكنها منذ ذلك الوقت ترفض تسليمه أي مستند قانوني ينص على موقفة النهائي من الخدمة العسكرية. و بدون هذا المستند يظل مارك حتى اليوم ممنوعا قانونا من الدراسة أو العمل أو السفر للخارج.

الرد الأول من نوعه
مصطفى أحمد السعيد هو أيضا أحد الشباب الرافضين للخدمة العسكرية الإجبارية. يوم الخميس 27 نوفمبر 2014 تلقى مصطفى ردا رسميا من أدارة التجنيد و التعبئة بوزارة الدفاع بخصوص طلبه أستثناء من الخدمة العسكرية بناء على معتقداته الضميرية المتمثلة في السلمية و اللاعنف. الرد يمثل حدثا فريدا بأعتبارة أول رد مكتوب من الجيش المصري على طلب أعتراض ضميري على الخدمة العسكرية. كان الجيش المصري قد تجاهل كل الخطابات المماثلة من المعترضين الضميريين، سواء التي أرسلتها أنا قبل رفضي للخدمة العسكرية في أكتوبر 2010، أو التى أرسلها عماد الدفراوي و محمد فتحي بعد رفضهم للخدمة العسكرية في 2012.
كان مصطفى أحمد السعيد قد تم ترشيحه للخدمة كضابط أحتياط بعد أجتيازه للكشف الطبي بمنطقة تجنيد الزقازيق. بعدها أرسل مصطفى خطابا للفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع و الأنتاج الحربي بتاريخ 12 نوفمبر، يطلب فيه أستثناؤه من الخدمة العسكرية بناء على المادة 54 من الدستور المصري التي تضمن الحرية الشخصية. مصطفى أشار إلى أن نظام التجنيد الإجباري يُعد نوعا من السخرة و العبودية، معلنا رفضه المشاركة في الحروب و انتشار العنف و سفك دماء أي طرف. بعد ساعات من تلقيه رد أدارة التجنيد و التعبئة، تلقى مصطفى أتصالا هاتفيا من مندوب التجنيد بقسم الشرطة التابع له يطلب حضورة لأستدعاء أمني بمنطقة تجنيد الزقازيق. رد أدارة التجنيد و التعبئة أعتبر محاولة رفض التجنيد الإجباري "يدل على عدم الأنتماء لهذا الوطن و تهديد لأمنه و سلامته من الأخطار المحيطة".
 

حركة لا للتجنيد الإجباري
كانت الحركة المناهضة للتجنيد الإجباري قد بدأت في عام 2006 بكتابات المدون كريم عامر الناقدة لنظام التجنيد القسري، و الداعية لتحول الجيش المصري لنظام تجنيد أختياري. كريم أختفى عن الساحة السياسية بعدها بفتره قصيرة بعد الحكم عليه بالسجن لأربعة سنوات بسبب كتاباته المناهضة للدين و لنظام مبارك. في 2009، قمت مع مجموعة من الليبراليين المصريين تأسيس "حركة لا للتجنيد الإجباري" كأول تنظيم مصري مناهض للعسكرية و لنظام التجنيد القسري. في 20 أكتوبر 2010، كنت أول مصري يرفض الخدمة العسكرية بعد أن تم ترشيحي للخدمة كضابط أحتياط. الشرطة العسكرية خطفتني من منزلي بالقاهرة بعدها بثلاث أسابيع، و تم أعفائي نهائيا من الخدمة العسكرية بدعوى عدم لياقتي النفسية للخدمة بالقوات المسلحة.
في 2012، قام كل من عماد الدفراوي و محمد فتحي برفض الخدمة العسكرية بسبب معتقداتهم السلامية الرافضة للعنف أو حمل السلاح. الجيش كان رد فعله مختلفا وقتها، فقرر أن يتجاهل موقفهما من التجنيد تاركا أياهم في وضع غير قانوني. لأكثر من عامان عاش كلاهما محرومين من الحق في العمل أو التعليم أو السفر. أثناء تلك الفترة أعلنت العديد من المنظمات المناهضة للعسكرية في أوربا و إسرائيل تضامنها مع المعترضين الضميريين.

أخلع
بعد أنقلاب عبد الفتاح السيسي في يوليو 2013 و أزاحة الرئيس الإسلامي محمد مرسي، بدأت بوادر التمرد على الخدمة العسكرية بين التيارات الإسلامية تظهر تدريجيا. مؤخرا أنشأ بعض شباب التيارات الإسلامية حركة جديدة مناهضة للتجنيد الإجباري بعنوان "أخلع". الحركة الجديدة تدعو لرفض نظام التجنيد الإجباري، و تدعو المجندين لترك مواقعهم داخل الجيش. الحركة الجديدة تمثل طفرة في خطاب الحركات الإسلامية في مصر، حيث دأب الإسلاميين في مصر على تمجيد الحياة العسكرية و القتال تحت مسمى "الجهاد"، و في السنوات السابقة كان الإسلاميين معارضين بشدة لحركة "لا للتجنيد الإجباري". حركة "أخلع" على النقيض تنادي بأن "التجنيد حرام" مستنده على حديث لرسول الإسلام يقول فيه "يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة و وزراء فسقة و قضاة خونة و فقهاء كذبة، فمن أدرك منكم ذلك الزمان فلا يكونن لهم جابيا ولا عريفا ولا شرطيا".
الحركة الجديدة تمثل نقيضا فكريا لحركة لا للتجنيد الإجباري. فبينما يؤمن أفراد حركة لا للتجنيد الإجباري بالسلامية و رفض حمل السلاح، يستخدم أعضاء حركة "أخلع" صورا و شعارات مؤيدة للدولة الإسلامية بسوريا و العراق، بالأضافة لصور زعيمها أبو بكر البغدادي. و بينما تدعم حركة "لا للتجنيد الإجباري" خطابا متصالحا مع الغرب و إسرائيل، تنتهج "أخلع" خطابا معاديا للغرب و إسرائيل.
في 1 يناير 2015، أعلنت حركة "أخلع" عن أول ضابط يستجيب لدعوات الحركة و يترك الخدمة بالجيش المصري. المقدم تامر بدر أصدر بيانا يقول فيه أن أستقالته من الجيش المصري كات بسبب رفضه لسياسة قيادات الجيش تجاه الثورة، و كذا لأنه لا أستعداد لديه لتوجيه سلاحه تجاه المصريين. و قد كان تامر بدر قد سُجن لفترة تزيد عن العام و النصف بعد مشاركته في تظاهرة عسكرية بميدان التحرير في 8 أبريل 2011.

متى يبدأ التغيير؟
منذ كتب كريم عامر مقالاته المناهضة للتجنيد في 2006، لم ينجح الجيش المصري في فرض الخدمة العسكرية على أي رافض للخدمة العسكرية. كل من رفضوا التجنيد الإجباري تم أعفاؤهم من الخدمة العسكرية بعد أن دفعوا ثمنا ليس بهين، و لكنه أهون من الثمن الذي يدفعه الجنود المصريين بسيناء. الجيش لم يحاكم أي سلامي مصري بسبب رفضه لحمل السلاح. أصبح من الواضح أن الجيش يتجنب ما يمكن أن يكون أول محاكمة لمعترض ضميري في تاريخ مصر.
تنازل الجيش المصري عن موقفه المتشدد المتمسك بنظام التجنيد الإجباري ليس إلا مسألة وقت. تاريخيا، كل الجيوش تمسكت بنظام التجنيد الإجباري. و لكن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت الجيوش تخضع لقيم الحداثة و الأحترافية. الجيش الأمريكي قبل بإنهاء نظام التجنيد الإجباري عام 1973. الجيش الفرنسي قبل بنفس الشئ عام 1996. الجيش الألماني قبل بذلك مؤخرا في 2012. و الجيش المصري سيضطر يوما ما للقبول بنظام تجنيد أحترافي بدلا من النظام الحالي. السؤال الحقيق ليس أذا ما كان الجيش سيتنازل عن موقفه المتشدد، و أنما متى سيتنازل عن موقفه المتشدد؟ الأجابة على هذا السؤال ستعتمد على عدد الشباب المصري الذي سيرفض الخدمة العسكرية علنا في السنوات القليلة المقبلة.



4 comments:

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP