التجربة الصومالية: هل تصبح مصر سببا لعدم الأستقرار في المنطقة؟

>> 05 February 2014


بعد أستقلال الصومال عام 1960، كان العديد من الصوماليون يحلمون بالديموقراطية. آنذاك، أنتشرت في الصومال العديد من التنظيمات الديموقراطية، و مرت الدولة بتداول سلمي للسلطة أكثر من مرة. إلا أن أحلام الصوماليين بالديموقراطية أنتهت مع أنقلاب الجيش في 1969، و الذي أسس لحكم عسكري دموي أستمر لمدة 21 عام. الأتحاد السوفيتي و الدول الناطقة بالعربية أختاروا أن يدعموا الدكتاتورية الجديدة، و أختار العالم أن يتعامى على جرائم تلك الدكتاتورية. في عام 1991، من خلال ثورة مسلحة تمكن الصوماليين من خلع الدكتاتور العسكري محمد سياد بري. و لكن، كما يحدث في معظم الأنظمة الجديدة، أختلف الصوماليون على شكل الدولة الجديدة، و من هنا بدأت حرب أهلية طاحنة لاتزال دائرة حتى اليوم، و إن كانت خفت حدتها.
الصومال اليوم تتصدر قائمة الدول الفاشلة، قتل فيها نصف مليون شخص في الحرب الأهلية، و تشرد منها مليون لاجئ يعيشون في الدول المجاورة، بالأضافة إلى مليون و نص شخص مشرد داخليا. الحكومة الصومالية لا تسيطر على معظم الأراضي الصومالية، بل أحيانا بعض أجزاء من العاصمة مقديشو تخرج عن سيطرتها. فشل السلطات الصومالية في أدارة البلاد سمح للقراصنة الصوماليين بممارسة جرائمهم في البحر، و للقاعدة و غيرها من التنظيمات الإرهابية في إنشاء معسكراتها في البر. الصراع العسكري الدائم و المجاعات و اللاجئين و الأرهاب، كلها قضايا جعلت الديموقراطية في مؤخرة أولويات السلطات الصومالية و المجتمع الدولي.
الحركات الديموقراطية في الصومال كانت هي الضحية الكبرى لكل ما حدث في الصومال منذ أنقلاب 1969. تعرضت تلك التنظيمات للقمع 21 عاما على يد الدكتاتورية العسكرية وسط صمت العالم، و مع بداية الحرب الأهلية أصبح الديموقراطيين هدف للعسكريين و الإسلاميين في نفس الوقت. الحرب لأهلية جعلت للرشاش قيمة أعلى من صندوق الأقتراع. و حتى اليوم فأن ما يشغل العالم، ليس الديموقراطية، بل أقامة سلطة قوية في الصومال تسيطر على الامن و تسترجع اللاجئين. مع أن الصومال لن تستقر إلا بنظام ديموقراطي توافقي ينهي الصراع.
لكن الصوماليين لم يدفعوا وحدهم ثمن عدم الأستقرار في وطنهم، بل معظم دول القرن الأفريقي بل و حتى الدول الكبرى. ففي عام 1977 غزا العسكر الصوماليين أثيوبيا ضمن أحلامهم التوسعية. و مع الحرب الأهلية، بدأ العالم يدفع فواتير للتدخل العسكري أكثر من مرة إما لحفظ السلام و إما للتخلص من الحركات الإسلامية المسلحة، و فواتير الأنفاق على ما يقرب من مليون لاجئ صومالي هربوا من الحرب الأهلية و أرهقوا الدول المجاورة أقتصاديا، و فواتير مكافحة القراصنة الصوماليين و تأثيرهم السلبي على التجارة في غرب المحيط الهندي، و فواتير مكافحة الحركات الأرهابية التي أصبحت الصومال أحد بؤرها. الحقيقة أننا كلنا شاركنا، بشكل أو بآخر، في دفع فاتورة عدم وجود ديموقراطية مستقرة في الصومال.
بعد أسقاط الدكتاتور محمد حسنى مبارك في مصر، أختلف المحللون أن كانت مصر ستسير وفقا للتجربة التركية حيث يسيطر الجيش على الأمور العسكرية و يحمي عالمانية الدولة بينما يسمح بحكومة منتخبة ديموقراطية، أم التجربة الأيرانية حيث نجح الإسلاميين في السيطرة تماما على الجيش و أجهزة المخابرات و أخضاعهم، أم التجربة الباكستانية حيث تقاسم الجيش و الإسلاميين السلطة و لكن على أرضية ثيئوقراطية و ليس عالمانية كتركيا.
في الحقيقة، أن مصر لا تسير في طريق تركيا أو أيران أو حتى باكستان. حتى يونيو الماضي كانت المؤشرات تقول أن مصر تسير طبق النموذج الباكستاني في تقاسم للسلطه بين الجيش و الإسلاميين على أساس ديني، إلا أن أنقلاب 3 يوليو نقل مصر من النموذج الباكستاني للنموذج الصومالي من حيث وجود صؤاع لا نهائي بين العسكر و الإسلاميين. ففي مصر، الديموغرافيا و البطالة تجعل الأحتجاجات الشعبية مأزق لا مفر منه، و تدهور الأقتصاد جعل الكعكة صغيرة جدا بحيث لا تسمح بالقسمة بين العسكر و الإسلاميين، و تفكك الدولة المصرية جعل الصراع الداخلي بين أجهزة المخابرات المصرية المختلفة أشبة بالحرب الأهلية.
و كما حدث في الصومال، يتم سحق الحركة الديموقراطية المصرية بين مطرقة الجيش و سندان الإسلاميين. فالدكتاتورية العسكرية قمعت الديموقراطيين لأكثر من ستون عاما، في الوقت الذي تبنت فيه أفكار الإسلاميين جاعله الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع و سمحت خلالها بمزايا نسبية للإسلاميين. و بعد وصول الإسلاميين للسلطة، أستمر الأخوان المسلمين في سحق الحركة الديموقراطية المصرية و سجن و نفي أفرادها. و بعد أنقلاب يوليو 2013، عاد الجيش ليصادر الحريات الفردية و العامة تحت أدعاءات محاربة الإرهاب. و بعكس الإسلاميين، لا يتمتع الديموقراطيين في مصر بدعم أي دولة أجنبية. فأدعاءات الأتحاد الأروربي و الولايات المتحدة بدعم التحول الديموقراطي في مصر لا تزيد عن كونها بروباجاندا سياسية في الوقت الذي تقوم فيه تلك الدول بتمويل و تسليح الدكتاتورية المصرية.
لقد أصبح واضحا أن الأمور في مصر لن تسير للأحسن. القمع الغير المبرر الذي يستخدمه الجيش المصري ضد الأخوان المسلمين، و خصوصا الأطفال منهم، جلب لهم المزيد من التعاطف. و من المتوقع أيضا أن يخلق الدستور الجديد أنقساما مضاعفا، فالعالمانيين لن يقبلوا بالنصوص الدينية في الدستور، ولا الديموقراطيين سيقبلون بالسلطات التي منحها الدستور الجديد للجيش. الضغط الدولي على مصر دفع الدولة للبحث عن داعم بين دول الخليج و روسيا و الصين. الوضع الأقتصادي المتردي قد يقود لمجاعات و فوضي. الأقليات المسيحية و الشيعية قد تتعرض أيضا لمذابح و للتهجير. و من غير المستبعد أن يلجأ الجيش المصري لإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، كوسيلة لأستخدام الأيديولوجية القومية في القمع الداخلي، و لإيجاد مبرر لتجنيد ملايين الشباب الذين يشاركون في التظاهرات بشكل دوري، و لأبتزاز العالم من جديد للحصول على ثمن جديد لتوقيع أتفاقية سلام جديدة مع إسرائيل. الأقتصاد و عدم الأستقرار السياسي، مع ضعف سيطرة الدولة على الحدود، سيدفع بمئات الألوف و ربما الملايين من اللاجئين لشواطئ أوربا. حينها التدخل العسكري الأجنبي في مصر لن يكون مستبعدا.
في بداية القرن الماضي، كانت ألمانيا مصدر لعدم الأستقرار في أوربا، و تسببت في حربين عالميتين و مذابح راح ضحيتهم أكثر من 100 مليون شخص. لم تستقر أوربا إلا في عام 1949 بصدور الدستور الألماني موقعا من الدول الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. هذة القوى ذاتها أختارت ألا تبني في الصومال ديموقراطية مثل ألمانيا، تاركة أياها مصدر لعدم الأستقرار في القرن الأفريقي، و يبدو أن هذة القوة ستكرر نفس الخطأ تاركة سوريا مصدرا لعدم الإستقرار في منطقة شرق المتوسط. للأسف، مصر لن تستقر إلا أذا أتفقت نفس القوى مضافا إليها القوى الأقليمية كالسعودية و إسرائيل على خريطة طريق لدمقرطة مصر. هذا و إلا ستدفع تلك الدول ثمنا كثمن عدم أستقرار ألمانيا و الصومال.

تم نشر أجزاء من هذا المقال باللغة العربية على موقع CNN بالعربية

11 comments:

arablandnews 26/06/2014, 06:41  

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



 رابط البث المباشر لمباريات كأس العالم 2014

 رابط البث المباشر لمباريات العالم

 http://aln-eg.com/worldcup.html

 او علي الرابط الاحتياطي التالي
http://aln-eg.com/worldcup3.html

 او علي الرابط الاحتياطي التالي
http://aln-eg.com/worldcup1.html

احلى سينما 26/10/2015, 15:57  

احلى سينما | احدث الافلام العربية والاجنبية والكارتون والمصارعة - شات ودردشة

Arzu Cantürk 07/04/2016, 13:09  

This beautiful, and useful information for lessons that you taught us to thank you very much for.
You did such a beautiful paylasimlar. We know a very nice advantage of these shares.
Such Kuželka issues continued to expect every time.
Thank you so much.
You have a good thing.
Sesli Chat ne-nerede nenerede bonibon
speakychat sesliduy sesliduy sesliduy sesliduy seslichat seslichat seslichat sesli sohbet seslisohbet seslichat seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslicevher seslisayfam seslicevher seslicevher sesli dunya seslidunya sesli dünya seslipop seslipop seslipop kral tv sesli 18 web tasarim video klip videoklip faceebook kürtce chatSchlüsselnotdienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP