الدين أفيون الضمير ج 3: الدين والبر الذاتى

>> 09 December 2011




الدين قادر على تخدير الضمير بوسيلة من أثنين ... الأولى هى إذكاء العنصرية تجاه الأخرين، وهى ما تعرضت له فى مقالى السابق "الدين أفيون الضمير .. ج2: الدين والعنصرية"، فشعورك أنك أفضل من الأخرين يجعلك لا تشعر بأى أنتهاك يصدر منك تجاههم.

اليوم أناقش الوسيلة الثانية التى يخدر الدين بها الضمائر ليسهل أرتكاب الجرائم، وهى "البر الذاتى" ... البر الذاتى هو أن تشعر أنك بار وخيّر وصالح، وهى حالة تجعل الأنسان فى أنشغال مستمر بصلاحه ولا يشعر بأخطاؤة. وهذا ما سأركز عليه فى بحثى هذا.



ماهى الأعمال الصالحة التى تدعو لها الأديان؟

مشكلة الأديان أنها تدمج أعمالاً ليست صالحة فى طبيعتها ضمن أعمال الخير، مما يؤثر على تقييم الشخص لنفسه، وتقييم المجتمع لأعضاؤة ... الأديان فى الأغلب تدرج 3 أنواع من السلوكيات على أنها أعمال صالحة.

1- الطقوس: مثل الصلاة والصوم والحج والوضوء والختان والمعمودية، وهى كلها طقوس وليست أعمال صالحة بالمفهوم الأجتماعى، لأنها أفعال لا تفيد أى شخص فى المجتمع، وحتى الشخص نفسه لا يستفيد منها إلا فى الحياة الأخرى.

2- الأخلاقيات الأنسانية العامة: مثل الأمانة والصدق والعمل والوفاء والسلام والمحبة، وهى أخلاقيات أنسانية عابرة للأديان، وهى أعمال صالحة فى طبيعتها لأنها تفيد المجتمع وكذلك الشخص الذى يقوم بها.

3- الجرائم المقدسة: مثل حد الردة والجهاد والقتل بدافع الشرف وتطبيق الحدود ومحاربة الهراطقة (المختلفين فى المعتقد)، وهى كلها جرائم بالمفهوم الأنسانى ولكن الدين يصبغ عليها صبغة مقدسة صالحة فتتحول فى عين معتنقي هذا الدين لفضائل وليس جرائم.

الأسلم منطقياً أن الأعمال الصالحة هى فقط الأخلاقيات الأنسانية العامة (رقم 2)، ويقاس صلاح الشخص وفضيلته حسب تعمقه فى هذة الصفات التى هى فى جوهرها صفات مطلقة يستحيل على الأنسان الوصول لغايتها، بمعنى أن الأنسان سيظل دائماً شاعراً أنه ينبغى أن ينمو أكثر فى هذة الفضائل، وأنه لم يبلغ الكمال بعد.

المشكلة تبدأ حينما يبدأ الشخص فى أعتبار الطقوس أعمال صالحة، فيظن أنه شخص جيد لأنة يصلى الصلوات فى مواعيدها أو لأنة زار كنيسة القيامة و "قدّس" هذا العام ... هنا يعتبر الشخص نفسه صالحاً، رغم أنة لم يفعل أى شىء أيجابى أخلاقياً، فلم يستفيد أحداً من صلاته وحجه (إلا شركات السياحة طبعاً!!) ... هنا تقييمات المجتمع تختل، فترى الناس يقولون عن أحد الأشخاص أنه رجل صالح لأنة "مابيفوتش صلاة" أو لأنة "حاج" وليس لأنة "أمين" أو "غير مرتشى".

المشكلة تتعمق أكثر حينما يتم تمجيد أفراد لأرتكابهم جرائم مقدسة، مثل "أسامة بن لادن" والأنتحاريين الذين يمارسون الأرهاب فى أوربا وأمريكا وإسرائيل وأمام الجامع الأزهر!!! ... هنا الشخص يشعر بالبطولة وبالفضيلة والصلاح لأرتكابة جريمة، نفس الشعور بالأرتياح والعدالة الذى يشعر به الشخص الذى قتل أبنته أو زوجتة و "غسل عاره". فى هذة الحالات المجتمع يقدر ويحترم المجرم الذى فى هذة الحالة يشعر أنة بار وصالح وطبق شرع الله.

كانت الأديان ستكون أخلاقية لو كانت أكتفت بالأخلاق الأنسانية كفضائل، لكن أدراج الطقوس وبعض الجرائم ضمن فضائلها فتح الباب لأرتكاب العديد من الجرائم بأسم الدين (فى تخدير كامل للضمير)، وسهلت للأنسان أن يشعر أنه صالح، وشعورة بالصلاح يجعله لا يشعر بالأخطاء الصغيرة التى يرتكبها طول الوقت.





الأيمان يغفر ماقبله

مشكلة أخلاقية أخرى تأتى بها الأديان وهى غفران جرائم الأشخاص قبل أن يؤمنوا بهذا الدين ... ففى المسيحية ينال الشخص غفران جميع خطاياه السابقه بمجرد قبوله للمعمودية، و فى الأسلام يقولون أن "الأسلام يجب ما قبله" بمعنى أن أعتناقه يمحى كل الذنوب السابقة.

هنا نحن أمام حالة من تطهير الضمير بشكل غير أخلاقى ... فلا يمكن أن نتجاوز حادثة سرقة إلا قبل أن ترد ما سرقته، ولا يمكن أن نتجاوز عن أضرارك بأحد الأشخاص قبل تعويضك له عن هذا الضرر ... فالصواب أخلاقياً هو أن الغفران يبدأ بأصلاح ما أخطأته وإلتماس الغفران من الأنسان الذى أخطئت فى حقة. لكن الدين حينما يعطيك الغفران عن كل الجرائم التى أرتكبتها فى الماضى دون أن يطلب منك أصلاح ما أفسدته، فهو فى الحقيقة يفسد ضميرك ويفسد المعايير الأخلاقية عند المجتمع، ويعطى لمجموعة من الأشرار رخصة لأن يشعروا أنهم صالحين، دون أن ينالو تأنيب ضمير أو شعور بالذنب، وهذا معناه هروب من العقاب وفتح الباب أمام أرتكاب تجاوزات جديدة.



أسلوب الحساب بعد الموت

الجميل فى الديانه اليهوديه أن اليهود وصلوا إلى المرحلة التى يرفضون فيها فكرة الحياة بعد الموت، وتبقى المشكلة الأخلاقية فى فلسفة الحساب يوم البعث "القيامة" فى المسيحية والإسلام، وهى مايمكن تلخيصه فى نقطتين: الإيمان والأعمال

- فكرة الأيمان وقت الحساب، أن هناك "فرقة ناجية" أو معتقد واحد صحيح وأصحابه هم الفرقة الناجيه الوحيدة (أى تنجو من العذاب الأبدى)، أما باقى الأديان والمذاهب فأصحابها ذاهبون للجحيم مهما كانت أعمالهم صالحة ... مشكلة هذة الفلسفة أنها لا تحرض البشر على الأخلاق والأعمال الصالحة، بل بالعكس تجعل مجموعة من البشر يشعرون أنهم أفضل من باقى البشر وأنهم ضمنوا الأخرة مهما أرتكبوا من جرائم، بينما تجعل باقى البشر خاسرون مهما فعلوا من أعمال خيّرة وصالحة ... هنا لا تكون الأخلاق هي معيار التفضيل بين البشر، وأنما نوعية الخرافة التى يعتنقونها.

- ثم تأتى فكرة ميزان الحسنات والسيئات فى الأسلام، بمعنى أن الأنسان يقاس صلاحه بإن كانت حسناته أكثر من سيئاته أم العكس. وهذا المفهوم غير موجود فى المسيحية ... الفكرة أن الأخلاق لا تقاس بهذا المنطق، فأذا كنت أرتكبت جريمة قتل واحدة فى حياتى، فمهما قمت بعدها من أعمال صالحة فلن أستطيع أن أمحو هذة الجريمة. المنطقى فى الأخلاق أن هناك فصل بين السلوكيات على طريقة "هذة نقرة وتلك نقرة"، بمعنى أنى لا أصير صالحاً لأنى أتبرع للفقراء رغم أنى أخون زوجتى مثلاً، ففكرة أن "الحسنات تذهب السيئات" هى رخصة مفتوحة للبشر لارتكاب السيئات وهم يعتقدون أن الحسنات التى يقومون بها قادرة على محو سيئاتهم. وهذا المنطق المغلوط هو الذى أخرج لنا لصوص ومختلسين يظنون أنهم يصبحون أشخاص صالحين حينما يقومون بالحج، وكذلك تجار مخدرات يظنون أنهم أتقياء لأنهم يبنون المساجد ويتبرعون للأيتام.

- الأزمة ذاتها (الأعمال الصالحة) موجودة فى المسيحية، فالله يوم الحساب لا يرى الأخطاء الذى قام بها الشخص لكن قام بالأعتارف بها أمام القسيس، بمعنى أن الشخص بقيامه بهذة الطقوس يمحو هذة الذنوب من "صحيفته الجنائية" ولا يحاسب عنها يوم القيامة على أنها اعمال شريرة ... وهنا دوران فى نفس الفلك الدينى لفكرة الغفران، حيث الشخص يحصل على الغفران خارج النطاق الأخلاقى. فأذا كانت الأخلاق تكون بأصلاح الخطأ ورد ما تم سلبه، فالدين يطرح طرق أخرى للغفران غير هذا الطريق. والنتيجة أن المؤمنين لا يشعرون بالتأنيب على أخطائهم رغم أنهم لم يصلحوها، بل الأكثر أنهم يشعرون أنهم ابرار وأفضل من غيرهم وأنهم لا يجب أن يندموا على أخطائهم، وهذا يفتح الباب أمامهم الطريق لتكرار هذة الأخطاء ... أن الشعور بالذنب هو الشعور الوحيد الذى يمحى الأنسان من تكرار أرتكاب الخطأ.





القتل والدية فى التشريع الإسلامى

حينما تعرض الإسلام لعقوبة القتل طرح 3 أختيارات مختلفة ومتناقضة يتم توقيعها على القاتل ... الأختيار الأول هو نفس أختيار اليهودية "القصاص" بقتل القاتل طبقاً لمبدأ "سن بسن وعين بعين ونفس بنفس"، وهو الأختيارالأقرب للعدالة، بأعتباري رافض لعقوبة الأعدام (لأنة يجعل المجتمع قاتلاً مثل المجرم) ... الأختيار الثانى هو "العفو" أى أن تعفى اسرة القتيل عن القاتل، وهو فى رأيى أختيار غير أخلاقى لأنة "تنازل من لايملك لمن لا يستحق" فأسرة القتيل ليست من حقها التنازل عن العدالة، لأن الضرر وقع على القتيل وهو لم يعد حياً ليخبرهم أنه غفر للقاتل ... الأختيار الثالث هو "الدية"، وهى أن يشترى القاتل الغفران من أسرة القتيل بالمال، وهو فى رأيى اسلوب من الأختيار الثانى ليس فقط لأنه يحصل على الغفران من أشخاص ليس لهم الحق فى منح هذا الغفران، ولكن لأنة يثمن حياة البشر بالمال بينما الحياة الانسانية لا يجوز أن تقدر بالمال.

المشكلة الحقيقية فى هذا المفهوم للدية أو العفو، أننا أصبح لدينا قتله معدومى الأنسانية يسيرون بيننا، وهم فعلاً لا يشعرون باى ذنب أو تأنيب ضمير، لمجرد أنهم دفعوا "دية" لأسرة القتيل. شعورهم أنهم بدفعهم الدية قد مسحوا حادثة القتل من تاريخ حياتهم وضمائرهم. شعورهم أن الأنسان وحياته بهذا الرخص يشجعهم على تكرار القتل تحت شعار "اللى تعرف ديته، أقتله".

كان الأجدر بالأديان أن تثمن حياة الأنسان، فلا تقبل تهوين قيمة حياته بهذا الشكل، ولا تعطى للقاتل صك الغفران الأخلاقى بهذة السهولة التى تجعل عملية القتل فى سهولة "شراء سيارة" ... ألا يجعلنا هذا نسأل أنفسنا عما اذا كان معدل جرائم القتل كان سيكون أقل لو كانت الأديان تبنت مفهوم أخلاقى أكثر صرامة و أقل تساهلاً فى جرائم القتل؟ واذا كانت توقفت عن تقديس القتله من نوعية موسى النبى وأيليا؟؟



خاتمة

ما حاولت أن افعله فى هذا المقال وسابقيه، هو محاولة لوضع تفسير نفسى و أجتماعى لزيادة الجريمة فى المجتمعات الدينية مع عدم الشعور بالذنب فى هذة المجتمعات. محاولة لتفسير لماذا يسيطر "الذنب" على الشعوب المتمدينة بينما تسيطر "ثقافة العار" على الشعوب المتدينة. محاولة لتشخيص المرض لكى نستطيع علاجة. محاولة للوصول إلى أصل الداء. محاولة لايقاظ الضمائر، لأن الشعوب تنهض بالقواعد الأجتماعية العادلة وليس بالأديان. محاولة للوصول إلى مجتمعات أرقى وأسمى واكثر أخلاقاً.



مايكل نبيل سند

سجن المرج العمومى – مستشفى السجن

9 ديسمبر 2011



سلسلة: الدين أفيون الضمير


موضوعات ذات صلة


5 comments:

Arzu Cantürk 07/04/2016, 13:06  

This beautiful, and useful information for lessons that you taught us to thank you very much for.
You did such a beautiful paylasimlar. We know a very nice advantage of these shares.
Such Kuželka issues continued to expect every time.
Thank you so much.
You have a good thing.
Sesli Chat ne-nerede nenerede bonibon
speakychat sesliduy sesliduy sesliduy sesliduy seslichat seslichat seslichat sesli sohbet seslisohbet seslichat seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslicevher seslisayfam seslicevher seslicevher sesli dunya seslidunya sesli dünya seslipop seslipop seslipop kral tv sesli 18 web tasarim video klip videoklip faceebook kürtce chatSchlüsselnotdienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP