الدين أفيون الضمير ج 2 : الدين والعنصرية

>> 16 November 2011



يصرخ القاتل السجين فى وجهى "المسلمين أحسن شعب فى الدنيا" ... الجملة لم يستوعبها عقلى، وفجرت فيه مئات الأسئلة ... ماهو المقياس الموضوعى الذى يقول أن المسلمين (مثلاً) أفضل شعب فى الدنيا؟، هل هم الأحسن فى الطب أم الهندسة أم الفلسفة أم الحرب أم الهدم أم فى هذا كله؟ لماذا يظن كل مهزوم أنه أفضل سكان الأرض (ومضة من النازيه الصاعدة فى ألمانيا بعد هزيمه الحرب العالمية الأولى)؟ ... ما الذى يجعل شعوب متخلفة فقيرة مستعبدة تظن أنها أفضل شعوب الدنيا، وأفضل من شعوب الكفار الذين يتبرعون لهم بالمعونات والغذاء والتكنولوجيا وكل شىء؟؟

منذ أكثر من عامين كنت فى كتبت مقالاً بعنوان "الدين أفيون الضمير"، أرصد فيه ظاهرة أرتباط التدين بأنخفاض معدل الأخلاق وتخدير الضمير وسهولة أرتكاب الجرائم تجاه الأخرين ... اليوم أريد أن أضع محاوله لتفسير هذة الظاهرة، لعلنا أذا عرفنا أصل الداء نستطيع أن نصل إلى الدواء.



العنصرية أفيون للضمير

العنصرية هى أن تعتقد أن الجماعة التى تنتمى إليها أفضل أو أرقى من باقى البشر، سواء كانت الجماعة التى تنتمى إليها دينيه أو مذهبيه أو عرقية أو لغوية أو جنسية أو سياسيه أو أى عنصر يجمع مجموعة من البشر دون غيرهم. فالأيمان أن البيض أفضل من السود (أو العكس) عنصريه، والأعتقاد أن المؤمنين بوجود إله أفضل من الملحدين عنصريه، والظن بأن الكاثوليك مثلاً (أو السنه) أفضل من البروتستانت (أو الشيعة) عنصريه، والأعتقاد أن الرجال أفضل من النساء عنصريه، والأعتقاد أن المغايرين جنسياً افضل من المثليين عنصريه، و القول أن الأوربيين أرقى من العرب عنصريه، والأدعاء أن العرب أفضل من الأفارقه عنصريه.

أى محاوله لتقسيم الجنس البشرى لشرائح وطبقات غير متساوية هى عنصريه، فالبشر جميعاً متساوين فى الأنسانيه، ولا يوجد أنسان أكثر أنسانيه من أنسان أخر، ولا يوجد شعب أرقى أنسانياً من شعب أخر، ولا يوجد صك أو دين أو لغة تعطى لشعب ميزة ترفعه أنسانياً عن شعب أخر، وكل من يدعى خلاف ذلك هو عنصرى.

طبعاً هناك أختلافات فرديه بين البشر، فهناك شخص أكثر ذكاء من شخص أخر، وهناك شخص أكثر قوة من شخص أخر، وهناك شخص أفضل من الأخرين فى أجادة لعبه رياضيه معينه أو دراسه علميه معينه. المقارنه بين البشر تتم فى مجال محدد، فأنا لا أقول "فلان أفضل من علان"، وأنما أقول "فلان أفضل من علان فى العزف على البيانو مثلاً" فنحن نقارن بين صفات ومهارات البشر، بينما هم متساوون فى القيمه والكرامة الأنسانيه.

الأختلافات الفرديه توجد فى المؤسسات أيضاً، فهناك حزب أفضل من الأخرين فى برنامجه لكنه قد يكون الأقل شعبية، وهناك شركة تجارية أفضل من بقيه الشركات فى الدعايه لمنتجاتها لكنها قد لاتكون الأفضل فى خدمة عملائها مثلاً ... الدول والأنظمة الحاكمة بينها أختلافات فردية أيضاً، دون أن ينسحب ذلك على الشعوب. فهناك دولة جيشها أقوى من جيوش باقى الدول، لكن هذا لا يعنى أن شعبها أفضل من باقى الشعوب ولا أنها بالضرورة الأفضل فى باقى مجالات الحياة. فهناك أنظمة متفوقه فى الرعايه الأجتماعيه، وأنظمة متفوقه فى العلاقات الدوليه، وأنظمة متفوقه فى تجنب الأزمات الأقتصاديه، وكل هذا لا يجعل شعب أى دولة منهم أفضل من باقى الشعوب.

الشعوب تجمع متباين من البشر، فكل شعب به العظماء وبه الحقراء، به النبلاء وبه المجرمون. لا يوجد شعب كله مثاليين أو كله منحطون. أغنى دول العالم وأكثرها رفاهيه كثيراً ما يخرج منها مجرمين وهدامون، وأفقر وأضعف دول العالم قدمت كثيراً للبشريه زعماء ومنقذين ... مصر مثلاً قدمت للبشريه تحوتى العالم مخترع التقويم وأخناتون المتطرف هادم الحضارة، السادات صانع السلام وأيمن الظواهرى زعيم تنظيم القاعدة، ثوار التحرير وثوار مصطفى محمود، أحمد زويل والمعالجين ببول الأبل. لو نظرنا للأسماء الأولى في كل مقارنة لقلنا ان المصريين هم أفضل شعب على الكوكب، ولو نظرنا للأسماء الثانيه لقلنا أن الشعب المصرى أرهابى متطرف عار على الأنسانيه، ولكن الأيه الشامله تجعلنا نقبل أننا شعب مثل باقى الشعوب، بيننا الصالح وبيننا الطالح، ومن الصعب تعميم أى صفه على الشعب كله.

مشكلة العنصريه أنها تخدر الضمير وتوقف عمله ... العبودية التى أستمرت بين الجنس البشرى دون أن يشعر أحد بالذنب بسببها لألاف السنين، والتى تقبلتها الأديان الأبراهيميه الثلاثه وتعايشت معها، والتى قال أفلاطون عنها أنها جزء من الحضارة الأنسانيه، هذة العبوديه كانت قائمه على أن هناك شخص أرقى من شخص أخر، وبالتالى من حق الأسمى أن يمتلك الأحقر ويتحكم فيه. العنصريه هى التى تجعل ضمير السيد لا يشعر بجريمه فى أمتلاك غيره من البشر وأستعبادهم.

العنصريه العرقيه هى التى خدرت ضمائر النازيين، فلم يشعروا بأى تأنيب داخلى وهم يقتلون اليهود و الغجر والمعاقين والمثليين جنسياً. العنصريه هى التى خدرت ضمائر البعثيين العراقيين فلم يشعروا بتأنيب ضمير أثناء المذابح ضد الأكراد والأشوريين والصابئه والشيعه.

العنصريه الدينيه هى التى تجعل شخص متبلد المشاعر لا يرى أى جريمه فى أن تكون شريعته هى دين الدوله ومصدر تشريعاتها. العنصريه الدينيه هى التى أباحت للكنيسه المصريه قديماً قتل هيباتيا وحرق المعابد المصريه، وهى ذاتها التى خدرت ضمائر التنظيمات الإسلاميه أثناء قيامهم بتفجير الكنائس وقتل رجال الشرطة وأغتيال السادات و فرج فودة.

العنصريه تقدم التبرير الضميرى والأخلاقى لكل الجرائم تجاه الأخرين، وهى التى تجعل العقل المخمور بها لا يرى ذنباً فى التطهير العرقى والسلب والنهب والأغتصاب والتمييز والأضطهاد والتعذيب وتقطيع الأطراف وأستعباد الأخرين ... فأذا أقتنعت أن الشخص الذى أمامك مثل الحيوانات، فما الذى سيمنعك أن تذبحه وتأكله كما تفعل مع الحيوانات؟







هل الدين عنصرى؟

العنصريه هى أن تعتقد أن الجماعة البشريه التى تنتمى إليها أفضل من باقى البشر ... طبقاً لهذا التعريف يمكن تقسيم الـ 4000 ديانه على سطح الأرض (بالأضافة للأديان الفديمة) لديانات عنصريه وديانات غير عنصريه.

البهائية مثلاً تعلم بأن البشر يعبدون الخالق بطرق مختلفة، ولذلك فالبشر مهما أختلف معتقدهم متساوون (حتى لو كانوا بوذيين مثلاً لا يؤمنون بوجود إله) الديانات القديمة (كالمصريه والكنعانيه واليونانيه والرومانيه) كانت متسامحه فيما بينها، وكان البشر يتبادلون أحترام ألهه الشعوب الأخرى، دون يشعر شعب أنه أفضل من شعب أخر. فطوال تاريخ الحضارة المصريه القديمه لم نسمع دعاوى بقصر منصب الفرعون مثلاً على عابدى رع مثلاً أو أمون أو أيزيس، ولم يخرج أحد يحاول طرد الديانات الرومانيه أو اليونانيه من مصر، وكذلك الكساندر الأكبر اليونانى لم يشعر بمشكلة فى تقديم قرابين لأمون حينما أحتل مصر. ربما يخرج أحناتون كأستثناء عنصرى وحيد عن الحضارة المصريه القديمه، ولكن أخناتون هذا أحرق المصريون مدينته وجعلوها نجسة، وراحوا يمسحون أسمه من قوائم ملوك مصر بأعتباره عاراً على حضارتهم.

إلا أن هناك أديان أخرى تحرض على العنصريه وتبنى الأساس الفكرى والنظرى الذى يسمح بنمو الأفكار العنصريه.

فاليهوديه مثلاً تعلم اليهودى أنه عضواً فى "شعب الله المختار"، وأن الله أختار هذا الشعب و لم يختار أي شعب آخر على سطح الكوكب (أليس هذا معناه أن هذا الشعب أفضل من غيره؟)، ثم يقوم الله (المعصوم الذى لا يخطأ) بأعطاء هذا الشعب أرضاً تخص شعب أخر، وهنا لا يجد الضمير المتخدر مشكلة فى أبادة جماعيه لعدة شعوب للأستيلاء على أرضهم ... نفس تخدير الضمير الذى لم يجعل "النبى" أيليا يرمش وهو يقود مذبحه جماعيه لأنبياء البعل، وهو نفس تخدير الضمير الذى قاد يوشيا الملك اليهودى وهو يهدم معابد غير اليهود ... فأذا كنت أنت أحد أفراد شعب الله المختار، وقد فضلك الله عن هذة الشعوب الوثنيه، فحينها ستشعر أن أى ألم ستسببه للأخرين هو نوع من العقاب الإلهى لأولئك الخطاه على ضلالهم .. لذلك نجد التوراة تصف الشعوب الأخرى بعبارات تحقيريه كثيرة من نوعيه: الغُلف (الغير مختونين) والأنجاس ... أذا فهمت هذا ستفهم لماذا لا يشعر يهودى متطرف بأى تأنيب ضمير وهو يقتل الفلسطينيين أو يحرق منازلهم؟ وكيف يعود من جريمته هذه وينام بهدوء بين زوجته وأطفاله؟

وعلى نهج اليهودية جائت المسيحية بفكرة الأختيار، فيقول المسيح لأتباعه: "ليس أنتم أخترتمونى، بل أنا الذى أخترتكم"، والأختيار دائماً يكون لصالح الأفضل ... وأولئك الذين أختارهم المسيح صاروا "أبناء الله" ويسكنهم "الروح القدس" الذى هو روح الله ذاته، ويقول المسيح  للمرأة الكنعانيه "لا يجوز أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب" والمعنى أن الكنعانيين كلاب ... ولأن أبناء الميح أفضل من غيرهم، فأوصاهم الأنجيل ألا يسلكوا مثل بقى البشر "لا تشاكلوا أهل هذا الدهر"، "ولا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين" .. كل هذا النفخ والكبرياء والسرد العنصرى كافيين أن يجعلا رهبان لا يؤلمهم ضميرهم أثناء تعذيب مخالفيهم فى الأيمان أثناء محاكم التفتيش عملاً بقول بولس الرسول "أحكم أن يسلم هذا للشيطان لهلاك الجسد".


 ثم يأتى ثالث الأديان الأبراهيمية (الإسلام) دون أن يخرج عن الخط العنصرى لسابقيه، فالمسلمون هم "خير أمة أخرجت للناس" أحسن شعب فى الدنيا بعبارة صديقنا القاتل، و"الدين عن الله هو الإسلام" أما باقى الأديان فهى ليست أديان وأنما معتقد (تذكروا أصرار المسلمون على أن البهائية معتقد وليست ديانه)، "ومن أبتغى غير الإسلام ديناً فهو من الخاسرين" فكل شعوب البشريه خاسرين مهما كان عملهم وتقديمهم وعملهم الخير، بينما المسلمون رابحون لأنهم بالصدفه البحته ولدوا من أب مسلم .. وحاله الأستعلاء نحو الشعوب الأخرى تظهر بوضوح فى القرأن، الذى يصف اليهود بالحمير، ويقول عن غير المسلمين أنهم أنجاس وقردة وخنازير ... فأذا كانت أنا خنزيراً، فالمسلم التقليدى لن يشعر بفارق بين قتلى وبين قتل حيوان الخنزير النجس الذى لا يأكله ... أذا فهمت هذا ستفهم لماذا لا يتألم الإسلامي الذي يطبق الحدود بجلد الآخرين و قطع أطرافهم، و ستفهم لماذا لا يثور ضمير الأرهابيين الجهاديين وهم يقتلون الأبرياء لمجرد أختلافهم فى المعتقد!

بل أن فكرة "الجنه والنار" فى ذاتها فكرة قاتله للضمير الأنسانى، بعكس ماهو شائع عنها ... نعم أعترف أن الأنسان حينما لا يكون متأكداً أنه سيدخل الجنه، فأنه يفعل العديد من الأعمال الصالحه لكى يضمن دخول الجنه ... ولكن المشكلة الكبرى حينما يشعر شخص أنه ضمن دخول الجنه بسبب أيمانه بدين معين، أو أن الشخص الذى أمامه سيدخل جهنم فى كل الأحوال، أو أن الله ينحاز له ضد غريمه. حينها يكون الشخص قابلاً لأرتكاب كل الجرائم دون أن يشعر أنه يرتكب أى خطأ. أذا كنت تضمن دخول الجنه وتعتقد أن سرقتك لى لن تضيع منك حقك فى دخول الجنه، فماذا الذى سيمنعك من سرقتى؟ أذا كنت تعتقد أنك "خَلُصت فعلاً" حسب الأعتقاد المسيحى، فحينها يمكنك أن تفعل ماتشاء ولن تفقد مكانك بجوار المسيح، فأنت فى الحقيقة تحمل رخصه مفتوحه لتفعل ماتشاء ولن تفقد المكافأة الأبديه على شىء أنت لم تفعله أصلاً (وهو كونك مسيحياً بالميلاد).







خاتمه

أعتقد أن نظريتى المطروحه هنا تفسر ظواهر أجتماعية تتخطى حدود الأديان أيضاً. فرجال الشرطة أو الجيش أعتادوا تلقيب أنفسهم "بك" و "باشا" وهى رتب مدنية تقسم البشر لدرجات مختلفين فى الكرامة. لهذا ليس من المستغرب ألا يشعر الشرطى بجريمته وهو يعذب أو يقتل شخص أقل منه فى الأنسانيه.

أحلم أن يأتى يوم أرى فيه المصريين يعاملون بعضهم على أنهم متساويين فى الأنسانيه، دون أن يستعلي أحد على أحد تحت أى ستار دينى أو أيدولوجى. أتمنى أن تصحو ضمائرنا وتراقب أفعالنا، وتتخلص من أى أفيون يخدرها ويمنعها عن الثورة كلما أخطأنا.



مايكل نبيل سند

سجن المرج – مستشفى السجن

16 نوفمبر 2011



سلسلة: الدين أفيون الضمير









موضوعات ذات صلة



4 comments:

Arzu Cantürk 07/04/2016, 13:05  

This beautiful, and useful information for lessons that you taught us to thank you very much for.
You did such a beautiful paylasimlar. We know a very nice advantage of these shares.
Such Kuželka issues continued to expect every time.
Thank you so much.
You have a good thing.
Sesli Chat ne-nerede nenerede bonibon
speakychat sesliduy sesliduy sesliduy sesliduy seslichat seslichat seslichat sesli sohbet seslisohbet seslichat seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslisayfam seslicevher seslisayfam seslicevher seslicevher sesli dunya seslidunya sesli dünya seslipop seslipop seslipop kral tv sesli 18 web tasarim video klip videoklip faceebook kürtce chatSchlüsselnotdienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg Schlüsseldienst Hamburg

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP