عادل درويش: رائحة الاتحاد الاشتراكي .... بطعم بورما

>> 14 December 2010

مقالات أعجبتنى
رائحة الاتحاد  الاشتراكي .... بطعم بورما

انتهت " مهزلة " انتخابات بورما بنتيجة متوقعة هي فوز اتحاد التضامن والتنمية، باغلبية المقاعد البرلمانية ( 80%). وعندما  تكون النتيجة  معروفة مقدما، فعادة ما يتجاوز  الامر المهزلة الى المسخرة.
فهذا الاتحاد، حزب " فالصو"،  انشاه  عسكر الانقلاب غير المشروع، في ملابس مدنية، بعد ان اصدروا الفتوى بحرمان  المعارضة ( الحكومة الشرعية قبل الانقلاب) بزعامة انغ سان سو كي – التي وضعت منذ سنوات طوال تحت الاقامة الجبرية - من خوض الانتخابات فقاطعتها المعارضة ليعرف العالم مقدما النتيجة الهزلية.
الملاحظ ان  مصر، اقدم امة في التاريخ، وصاحبة اول تجربة برلمانية تعددية في افريقيا والشرق الاوسط ( كان البرلمان بكامله منتخبا مباشرة في عهد الخديوي سعيد في منتصف القرن ال 19) اصبحت تشارك بورما، التي يحكمها حفنة عسكر مصيرهم مزبلة التاريخ، في ملامحها السياسية بتوقع  نتائج الانتخابات  البرلمانية التي ستجرى في نهاية الشهر.  وتوقع النتائج ليس نتيجة استطلاعات للراي اجرتها هيئات مستقلة، بل بحكم العادة، وهو امر يناقض طبيعة  الديموقراطية اساسا.
اسال اي طفل مصري  وسيجيبك بان الحزب الوطنى " سيكتسح " الدوائر مقتنصا اغلبية مقاعد البرلمان .
 وظني سيوفر المصريون انفسهم عناء بهدلة المواصلات واحتقار البوليس للناخب ( الذي يدفع مرتبات ضباطه من ضرائبه) ويبقى بعيدا عن مراكز الاقتراع كما فعل في انتخابات 2005  عندما لم يصوت سوى  اقل من خمس عدد  المسجلين في قوائم الناخبين ( ولو حذفت من المعادلة " المتوفين" الذين ادلوا باصواتهم – للوطني طبعا- لانخفضت نسبة الناخبين ل 15%).     
واعتقادي ان سبب فقدان المصري احترامه للدولة هو الاصرار الغريب على عدم فك حالة الارتباط الشاذ بين الدولة  ككيان ثابت هو  التعبير القانوني السياسي عن الامة،  وبين الحزب الوطني الذي احتكر الحكومة (بالفهلوة  مرة وبالعافية مرات)  لاكثر من نصف قرن ( بتغيير اسمه  بضعة مرات) ، بدلا من العودة لمفهوم الدولة الحديثة التي اسسها محمد علي باشا، وبلغت اوج نهضتها عام 1922  مع حكومة سعد باشا زغلول ام  " الدستور باشا".
العودة لمفهوم ثبات الدولة  يعني تغير الحكومة بالانتخابات بحيث يشكل الحزب الفائز باغلبية المقاعد البرلمانية حكومة تعبر عن رغبة الشعب الذي صوتت غالبيته  على برنامج  سياسي اقتصادي قدمه هذا الحزب.
في العهد الليبرالي البرلماني المصري ( 1922-1954) كانت الاحزاب، كالوطني ( بتاع مصطفي باشا كامل وليس بتاع تجار السوق السوداء)، والوفد، والاحرار الدستوريين، والامة، والسعديين، وغيرها هي التي تولد الحكومة من رحمها عندما يتزوج الحزب بالارادة الشعبية في زفة صناديق الاقتراع.
اما في مصر " الجديدة " فحدث العكس: الحكومة تتمخض فتلد حزبا منذ ان ابتكرت العسكرتارية  موضة تاسيس الحكومة بالبيان الثوري في الاذاعة وليس في البرلمان الذي تدخله عبر صناديق الاقتراع.
ومثلما انكشفت عورة عسكر بورما التي لم تخفيها ملابس اتحاد التضامن والتنمية  التي وضعوها بدلا من اليونيفورم العسكري، فان الامة المصرية من اكبر كهولها سنا  الى اصغر تلميذ " بمريلة " الروضة،  لم تخدعه ملابس الحزب الذي " تفوح منه رائحة الاتحاد الاشتراكي " ( وحق تاليف العبارة  ملك الصديق الدكتور مامون فندي في مقالته الاخيرة ). فعندما الغت حكومة انقلاب الضباط الاحرار ( ماركة 52 ) الاحزاب الشرعية ( باستثناء جماعة الاخوان التي هرعت الى المحمكتين الادارية والدستورية فحكمتا باستثنائها من الالغاء باعتبارها ليست حزبا سياسيا، وانما " جماعة تبشير دينية تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر")، انجبت، بولادة غير طبيعية  " هيئة التحرير " كلافتة يقراها العالم الخارجي ( باعتبار ان الخواجة "اهبل" غير قادر على كشف  الفهلوة المصرية )  فيصدق بطيبة نية ان هناك حزبا شعبيا لحكومة كلها عسكر من قمة راس الهرم حتى اخمص قدم المسؤل عن تنظيف الشوارع.
 عام 1954 هرع كل من لاعمل له، او من لفظته الاحزاب المسؤلة ، الى الالتحاق بهيئة بطاقة عضويتها باسبور يدخل حامله وظائف القطاع العام بلا فيزا. واذكر شقيقين من " الصيع" الذين لاعمل لهما في منطقة سيدي بشر عندما كنت مجرد تلال من الرمال يجوبها العرب بقطعان معيز قرب معسكر الجيش الانجليزي القديم، ثم تنحدر نحو بلاجات عاليها " كباين" محترمة. الشقيقان كان عملهما الفهلوة على المصفيين القادمين من القاهرة في يوليو واغسطس، بتاجير الشماسي، او بالاصح حملها للمصيفين مقابل قرش صاغ للشمسية، او اقامة شادر وملؤه بالبطيخ وبيع البطيخ للمصيفيين. وبعد انتهاء الموسم، يعودان الى التسول والنشل في تروماي الرمل. فجاء عند انشاء هيئة التحرير، اصبح الشقيقين وكيلاها، وبدلا من شادر البطيخ، استاجروا الارض نفسها من شيخ عرب اخذها بوضع اليد عند انسحب الجيش الانجليزي بعد معاهدة 1936  ( اصله ليبي لكنه كان يحوم اسرته الكبيرة منطقة رمال سيدي بشر لان الليبين لم يكونوا وجدوا البترول بعد ومعظمهم يجيئ الى الاسكندرية ويرسل بضعة قروش لاهله)، بخمسة جنيهات طوال شهري الصيف. مصلحة الاستعلامات منحتهم آلتى عرض سينما 16 ملليمترـ وحولوها الي سينما صيفي ( التذكرة الترسو – على كراسي قش بثلاثة تعريفة، والفخمة اي كرسي بذراعين عليه شلتة بخمسة تعريفة) واسموها سينما التحرير. يعرض فيها فيام شريط الاخبار عشرة دقائق كلها ماذ فعل محمد نجيب والضباط الاحرار، وبعد مارس 1954 كلها عبد الناصر، ويتبعه فيلم روائي، ليلي مراد/ انور وجدي، نعيمة عاكف الخ). وكما يتوقع القاريء، دخلا مجلس الامة ( البرلمان اعيدت تسميته مجلس الامة )  بالتناوب الى ان جائت تقسيمة ال 50% فدخلاه معا, واحد عن 50% عمال وفلاحين، والاخر فئات.    
وعندما غيرت هيئة المنتفعين  اليافطة الى "الاتحاد القومي" عام 1958 ضحك الشعب المصري من اعماقه مستمرا في اطلاق النكات حول موضة جديدة اسمها "الاشتراكية"، واهم ملامحها الاستيلاء على ممتلكات ومنشات واعمال من بنوا اقتصاد مصر الحديثة بعرقهم واموالهم ودمائهم؛ ومن رحم حكومة الوحدويين الثوار ولد الحزب الاوحد بيافطة  "الاتحاد الاشتراكي" ( الذي يشتم الدكتور فندي رائحته في الانتخابات القادمة؛ وهو امر طبيعي فالحزب  الوطني  يحتل مبنى الاتحاد الاشتراكي  المطل بسخرية سادية على النيل ). وفور ولادة الاتحاد الاوحد خلع المنتفعون قمصان الاتحاد القومي ليتسربلوا بعبائة الاتحاد الاشتراكي ابو " نكسة 1967 " التي حددت العمر الافتراضي للعبائة الاشتراكية بعشر سنوات. فنزعها المنتفعون ليلبسوا " جينز " حزب مصر " فور اعلان الرئيس الراحل انور السادات تاسيسه.
 وعندما اشتم  المرحوم السادات رائحة لاتنفع كل المطهرات وادوية ازالة الرائحة في ازالتها، وهي رائحة الاتحاد الاشتراكي في اروقة مبنى حزب مصر، تركه  لهيئة المنتفعين مؤسسا حزبا جديدا مقتبسا الاسم " الوطني " من حزب الزعيم مصطفى باشا كامل؛ واذا بالجماعة انفسهم، ( وبلا تستر وراء "بارفان" او ستارة ) يخلعون "الجينزات" فورا ليلبسوا بذلة وكرافات الحزب الوطنى. واخلى الاف  المتسكعين في طرقات مقر حزب مصر المبنى ليقتصر على  ثلاثة : رئيس الحزب وحيدا في مكتبه، وعاملة التليفون ، وبواب المبني !
وخوفي ان تبدو مصر يوم التصويت مثل بورما؛ فقد تزكم انف الناخب رائحة هيئة التحرير الممزوجة بدخان مزاج الاتحادين القومى والاشتراكي، فيقاطع انتخابات لاخيار حقيقي فيها.
 فحكومة الوطنى، بالعافية، ترفض السماح للاحزاب الوطنية الحقيقية المعبرة عن روح الامة المصرية ببرامج اصلاحية كحزب "مصر الام"  و "الحزب اليبرالي المصري " بخوض الانتخابات ( رغم تناقض المنع مع ادعاء النظام ان البديل عن "الوطني" هم جماعة سيرك اخوان البنا – صاحب الفتوى الشهيرة باغتيال القاضى الخازندار بعبارة " خلصونا من هذا القاضي"، الذي سيحول  المحروسة الى غزة او افغانستان او ايران اذا لم يفز الوطني بالحكم).
الشموع القليلة التي ترفض لعن الظلام اشعلها قلة من مرشحين مستقلين ( ولا اقصد انفار الجماعة الانتهازية المحظورة ) وفي مقدمتهم الباحثة عزة سليمان، عن شمال القاهرة. عزة هانم، حاملة ماجستير الاقتصاد باحثة في التاريخ المصري القديم وتدرس اللغة الهيروغليفية.  وتبدوا طنية عزة هانم، ابنة النيل ، وجديتها في عشق مصر، في  برنامجها السياسي ، ( قراته على مدونتها) اشتتمت بين كلماته عطر مصر الاصيل،  من هرم خوفو حتى استديو مصر، ومن مجد رمسيس الثاني حتى انجازات طلعت حرب بشا.
 برنامج واقعي متكامل بالارقام والحقائق للاصلاح الاقتصادي والسياسي لمصر، وآه لولا المتاريس والعقبات ( ورائحة الاتحاد الاشتراكي التي تزكم الانوف) التي يضعها الوطنى الديموقراطي في طريق الناس، لتوجهوا زرافات لمراكز الامتخاب ولنجحت عزة هانم باغلبيه هائلة ترشحها لمنصب في مجلس الوزراء.
وهذا حديث آخر.
عادل درويش

* تم النشر بناء على رغبة الكاتب

3 comments:

Kefaya Punk 15/12/2010, 23:44  

A valuable note, though with allegedly spelling mistakes, but tell me, was the article posted somewhere else?
Where does Adel post articles of his own? Does he have his own blog?

Maikel Nabil Sanad مايكل نبيل سند 16/12/2010, 06:47  


No, It's published here only, he send it to me by Email

He have an English Blog: http://www.adeldarwish.com/

He also writes a weekly article in Arabic at
- Almasry Alyoum
- Alshark Alawsat: www.aawsat.com

وظائف شاغرة 16/01/2012, 10:44  

اسال اي طفل مصري وسيجيبك بان الحزب الوطنى " سيكتسح " الدوائر مقتنصا اغلبية مقاعد البرلمان .
وظني سيوفر المصريون انفسهم عناء بهدلة المواصلات

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP