أهلى ... لم تعودوا أهلى

>> 16 December 2008



حدث هذا الموقف منذ حوالى ثمانية عشر عاما ... كنت حينها فى الخامسة من عمرى تقريبا ... حينها فكرت لأول مرة فى حياتى فى الرحيل عن منزلى ... كانت أول مرة فى حياتى أقرر فيها أن أتخذ موقفا من الجحيم الذى ولدت فية ، و الذى أعانى داخلة من الإهانات و العنف الأسرى و غيرها من السلوكيات التعذيبية التى لا تتوقف لا ليلا ولا نهارا ، ولا صيفا ولا شتاءا
أحضرت يومها كيسا بلاستيكيا ضخما ، و بدأت أجمع أغراضى ، أستعدادا للرحيل عن المنزل ... و بعقل طفولى ساذج ، كان كل ما جمعتة هو الشطرنج و الدومينو و الكوتشينة و مسدس لعبة عاجز لا يضرب شيئا ولا يصدر صوتا ... رآنى المسخان المدعوان والداى ... سألانى عما أفعل ... و ببراءة طفولية قلت لهما ... و فوجئت بهما يضحكان ... كنت أخال أن فكرة تركى للمنزل ستعذبهم ، و لكن أتضح لى يومها أنة أمامى الكثير لأتعلمة
قالت لى والدتى بسخرية : " إلى أين ستذهب ؟ " ... لم أفكر كثيرا ، فلم يكن بالنسبة لى حينها سؤالا صعبا يبحث عن أجابة ... قلت لها " إلى منزل أى أحد من أقاربنا ... ربما أذهب إلى خالتى ، فهى تستضيفنى دائما بمخبوزات تعدها لى خصيصا كلما أزورها ... أو ربما أذهب إلى عمتى ، فهى تشترى لى الكثير من الحلويات كلما أكون موجودا بمنزلها " ، و أخذت أعدد لها أسماء أقاربنا واحدا تلو الآخر ، و أربط كلامى بمقارنة بسيطة بين المعاملة اللطيفة التى ألقاها منهم ، و بين سلخانة التعذيب المنصوبة بأستمرار فى منزلنا
و للمرة الثانية ، فوجئت بأمى تضحك ... قالت لى : " هل تظن أنهم يعاملوك هكذا لأنهم يحبونك ؟! ... هم يفعلون ذلك لأجلنا ، و أذا غضبنا عليك فلن يفتح لك أحدهم باب منزلة "
يومها أدركت بعدا جديدا للأمور ... عرفت بطريقة بسيطة أن كل فعل يمكنة أن يأتى كنتيجة لواحد من آلاف الدوافع المختلفة و ربما المتناقضة ، و أن ربط سلوك معين بدافع ( سبب ) واحد هو فرط من السذاجة المطلقة

فى السنوات التالية لذلك الحدث بدأت أرى تطبيقات عملية لنظرية والدتى

حينما كنت أنجح فى أمتحاناتى ، أو حينما كنت أمر بأى مناسبة سعيدة ، كان أفراد أسرتى يقدمون لى هدايا كنوع من التهنئة ... و لكن الذى يقدم لى هدية لم يكن يفعل ذلك لأنة يحبنى ، ولا لأنة فرح معى بنجاحى ، ولا لأنة شعر بأحتياجى لتلك الهدية ... و أنما بكل بساطة لأن أبى أو أمى أهدوا أبنة بهدية مماثلة حينما نجح العام الماضى ، و هو بأعطائة لى هدية يرد الدين الذى دفعة والداى .... بل أن هذا الأمر كان يأخذ صورا أكثر وقاحة من ذلك ، فأجد قريبى يعطينى ظرفا بة مبلغ مالى يتساوى بدقة مع المبلغ الذى أهداة والداى لة العام الماضى ... أما أذا تصادف أن مررت بمناسبتين سعيدتين متتاليتين ، فأجد أن أقاربى ردوا الفلوس المهداة عن طريقى فى المناسبة الأولى ، و حينما فوجئوا بوجود مناسبة ثانية يتجاهلوها تجاهلا مطلقا ، ببساطة لأن النقود التى يظنون أنهم مديونون لنا بها قد سددوها
مع الزمن أكتشفت أن والدتى تحتفظ بكشكولا ضخما ، تكتب فية كل قرش يتم أهداؤة لنا ، و ترجع للكشكول فى كل مناسبة يمر بها أحد أقاربنا ، فتعرف من الكشكول ما سبق أن دفعة هذا الزبون لتردة لة بنفس قيمتة ... و بمرور المزيد من الزمن ، أكتشفت أن معظم أفراد أسرتى لديهم كشاكيل مماثلة ، بل أن أحدى قريباتى نصحتنى يوما أن أقتنى كشكول خاص بى
كنت أختنق من جو النفاق هذا ... فى نظرى ، الزهرة التى تقدمها لى بدون حب مؤلمة أكثر من كل أشواك الأرض ، و رائحتها أكرة من جيفة الحيوان النافق ... الهدية فى الأصل هى تعبير عن حب ، فإذا غاب الحب فما معناها ؟؟ ... كان يجرحنى بشدة أن يتعامل أفراد أسرتى معى بطريقة السلف و الدين ، و ليس بالحب و التراحم و التواصل الأسرى
تمردت على هذا العرف الأسرى ، و رفضت كل الهدايا التى تقدم لى ... لم أشرح وجهة نظرى لأحد ... من ناحية لأنى لم أجد عاقلا أمامى أتوقع منة فهما ... و من ناحية أخرى لأن الحديث عن المشاعر لمن لا يعرفها هو الذل بعينة

ألا أن موضوع الهدايا لم يكن هو الملف الوحيد الذى كشف لى طبيعة العلاقة بينى و بين أقاربى ... فالقضايا من كثرتها لا تعد ، بل أكتشفت مع الزمن أن وجود العلاقة ذاتها من عدمة مرتبط بطبيعة العلاقة بين أبواى و هذا القريب
موقف حيوى لا أنساة فى هذا السياق ... أحد أقاربى كان يعاملنى بدفء شديد ... كنت أشعر أنة أقرب لى من والدى ... كنت أحرص على أستشارتة فى الكثير من المواقف ، و أطيع نصائحة بثقة كبيرة ... فى أحد الأيام دعانى لزيارة منزلة ، و ألح فى الطلب جدا بطريقة أخجلتنى ، فأعطيتة موعد بعد بضعة أيام .... و فى الموعد المحدد زرتة فى منزلة ، لأفاجأ بمقابلة فاترة جدا ، و أبتسامات صفراء ، و جلسة تسودها الصمت ، و أجابات مبتورة على كل جملة أقولها ... حينما تركتة تحريت عن الأمر ، فعرفت أن والدتى أذاقتة جرعة من لسانها السليط قبلها ببضعة ساعات ... تعجبت من التناقض الرهيب بين الشخصية الحنونة التى عرفتها فية ، و بين الشخصية الباردة التى رأيتها أمامى ، و تسائلت كيف يتبدل الأنسان كلة فى بضعة ساعات !؟ ... لست ألومة على ضيقة من والدتى ، فأنا أدرى قذارة لسانها ... و أنما ألومة لأنة أعتبر علاقتى بة فرع من علاقتة بوالدتى ، فإذا أحسنت هى معاملتة أحسن هو معاملتى ، و إن أساءت معاملتة أساء هو معاملتى حتى لو لم أكن قد أرتكبت أى شئيا يضايقة أو يسئ لمشاعرة
و لهذا فليس مستغربا أن أجد الكثير من أقاربنا يقاطعونى دون أن أسئ لأحد منهم ... فبعضهم لة نزاعات مع أبى ، و يقاطعنى أنتقاما منة ... و البعض الآخر لا يطيق والدتى ، و يحاسبنى بجريرتها ... لذلك فلم يكن مستغربا أن أصادف فى الشارع أبن عمى و الذى لا يفصل بين منزلينا سوى شارعين ، و مع ذلك لا أتعرف علية لأنى لم أرة منذ أكثر من عشرة سنوات ... و لم يكن مستغربا أن أجد أحد أقاربى يكرهنى و يسئ معاملتى دون أن أسئ إلية ، طالما لة عداء مع أحد والداى

حينما تركت المنزل منذ حوالى شهرين ، لم أفاجئ بالمواقف القاسية التى جرحنى بها أفراد أسرتى ... فقد أنقسموا جميعا إلى ثلاثة مجموعات
المجموعة الأولى أهانونى بشدة ، و وقفوا مع أسرتى بدناوة واضحة ، و لم يخجلوا من أعلان أنحيازهم التام و المطلق لوالداى و تبريرهم لجرائمهم فى حقى ... سمعت منهم أقسى العبارات و أشد الإتهامات ... أجلسونى على كرسى المذنبين و أخذوا يحاسبوننى و يحكمون على
المجموعة الثانية لعبوا دور القردة الثلاثة .... لا يرون ولا يسمعون ولا يتكلمون ... فليتركوا المجرم السادى يعذب ضحيتة ، و هم لا يعنيهم الموقف ... و أذا عاتبتهم بعد ذلك ، يتصنعون عدم المعرفة
أما المجموعة الثالثة ، فهم الثعابين .... يخاطبونى بمعسول الكلام لكى يعرفوا عنى كل المعلومات التى يتعشمون الحصول عليها ، و بعد أن تنتهى مهمة التجسس يقومون بنقل كل معلوماتى إلى العدو ( أسرتى ) ... فى حواراتهم معى يظهرون تعاطفهم معى و تأييدهم لقضيتى ، و فى عدم وجودى يهاجموننى و يضرون بمصالحى ، و لا أسرار تحت الشمس .... و أذا تماديت معهم فى الكلام ، أجد أن النهاية التى يبتغون الوصول إليها هى نفس النهاية التى حددها المجرمان الفاشيان ( والداى ) ، مع فارق بسيط ، أن والداى يرغبان فى أجبارى على تنفيذ كلامهما بسلاطة اللسان و عنف الجسد و سيطرة المال ، أما أقاربى فيرغبون فى أجبارى على تنفيذ نفس الكلام بالكلام اللين و مغالطات التفكير ظانين أنهم قادرين على خداعى
طوال شهرين كاملين أعيشهما مشردا بلا سكن ولا مأوى ولا حياة ... لم أجد أحدا من أقاربى يساعدنى ألا أذا كان متوقعا مقابلا من أبواى ، ولا مانع أن يذكر ذلك و هو يساعدنى ، و كأنة يؤكد لنفسة أن هذة التضحية لن تضيع بلا مقابل و لكنة سيقبض الثمن من خزينة بنك والدى
طوال شهر كامل ، لم أجدا أحدا بجوارى ... لم أجد أحدا يتعاطف معى تعاطفا حقيقيا ... لم أجد شخصا لا يعمل جاسوسا لصالح والداى ... لم أجد شخصا لا يبرر جرائم والداى و كأنها سلوكيات طبيعية تصدر عن كل أب يسير على أرض مصر

مفهومهم للحياد ينحصر داخل حدود الحياد السلبى ... فالحياد فى نظرهم أن تقف على مسافة متساوية من المجرم و الضحية ... لا يفهمون أن الحياد ما هو ألا موقف مبدأى ، يتحول بعد دراسة القضية إلى الأنحياز المطلق لصاحب الحق

أحيانا أحاول أن أفهم فلسفتهم بذهنى ... لماذا يتصرفون هكذا ؟ ... لماذا لا يفصلون بينى و بين أبى و أمى ؟ ... ألست شخصا و كيانا مستقلا قائما بذاتة ؟ ... أم يظنونى برعما ينبت ملتصقا بأحد والداى و سأموت أذا أنفصلت عنة ؟
و بالبحث وجدت لكبار السن منهم دافعا معقولا ، و هو المصلحة ... هم فى علاقتهم بالآخرين يحسبون الأمور بالجنية و الدولار ، و أنا كنت طفلا صغيرا ، لا أملك مالا ، و لا أسيطر على منصب يعود عليهم بالفائدة ... لذلك فليس أعجازا أن تكون علاقتهم بى قائمة على المصالح التى يحققها لهم أبواى ، و ما دامت المصالح مستمرة سيستمر الود و تستمر المحبة ، أما أذا أنقضت المصالح فتنتهى مبررات العلاقة و بالتالى تزوب العلاقة من ذاتها
هذا عن جيل كبار السن ... أما صغار السن فلا أجد مبررا لهم سوى الغباء ... فلو فكروا بمقاييس المصلحة لرأوا أن مصلحتهم معى ... أن أبى أو أمى لن يعيشا لهما المزيد من السنين ليقدما لهم المزيد من المصالح ... ففى عشرة أو خمسة عشر عاما على الأكثر ، سيكون كل جيل كبار السن فى عائلنا أسرى الفراش و أمراض الشيخوخة ، و ستتوقف المصالح التى تأتى منهم ... لكن أنا الذى سأعيش معهم باقى طريق حياتهم أعينهم و يعينونى على صعوباتها ... و من الغباء و قصر النظر أن تشترى مصالح عمرا كاملا ببضعة سنوات عجاف ... بل من الهطل الأنحياز المطلق لأشخاص يفقدون مناصبهم تدريجيا و يحالون على المعاش ، على حساب ظلم شاب يكبر و يتدرج فى المناصب بلا سقف

أهلى ... لنكن صرحاء مع بعضنا البعض ... أنكم لم تحبونى لذاتى يوما ... ولا تكترثون لما يحدث لى ... بل أن معظمكم لن يكترث أن يقرأ مقالى هذا ... لا يعنيكم مصيرى ... ولا يؤذى مشاعركم حينما تسمعون الجرائم التى كنت أتعرض لها فى سلخانة التعذيب المنزلية .... فى الحقيقة ، أنتم لم تكونوا أهلى قط ... لا أنا شعرت بذلك ، ولا أنتم تشعرون أساسا لتشعروا بذلك ... أبعدوا عنى ، فأنا لا أعرفكم ... لكم دينكم و لى دينى ... أنا برئ منكم ، لا أعرفكم ولا أرغب فى أن أعرفكم ... و كل نجاح أحرزة ستحرمون منة ... و لن يخلد التاريخ أصواتكم الجاهلة الصماء ، و أنما سيخلد شكواى منكم و من جرائمكم نحوى ... أبناءكم و أحفادكم و أحفادهم سيقرأون مقالى هذا ، و حينها لن تكونوا موجودين لتدافعوا عن أنفسكم

3 comments:

Anonymous,  16/12/2008, 21:36  

يا خسارة يا مايكل
أنت عارف أنا كنت بحبك قد أية
أنا كنت بحبك أكتر من نفسى وأنت كمان
كنت أرى فيك الأخ والحبيب والصديق بل وصورة ألهى وألهك بابا يسوع
ياترى فاكرة ولا دة كمان بيكرهك ومش موجود
أنا كنت أتمنى أجد شخص مثلك لأحبة ولكنى لم أجد أخ يخاف على مثلك
صدقنى انا حزينة عليك حتى الموت
وأتمنى رجوعك مايكل بتاع زمان
حبيبى
أختك الوحيدة

بيشوى 18/12/2008, 18:24  

from beshoy ياخى انت حيرتنى اكلمك متردش و تقول فية مصلحة بينى و ماما مااكلمكش تقول محدش مهتم

خالد خليل,  21/03/2009, 03:24  

مايكل, مش هقولك انتا اتسرعت في قرارك, أنا معرفش ظروفك أكتر منك, و يمكن إنتا أصلاً كنت مأجل من زمان
بس هطلب منك حاجتين
ثانياً ماتعممش أوي كده, الناس مش اسطنبة, مش ممكن تحطهم في حالة من تلاتة, كلهم ضدك, Ÿ1;بعاً أول تفكير لكل كبار العيلة هيكون في صالح والدك و والدتك, لأنهم قرايبهم المباشرين و معاشرينهم أكتر ما معاشرينك, لكن ده مش معناه إنهم هيفضلو على نفس موقفهم على طول, حتى والدتك و والدك ممكن بعد فترة بس مش قصيرة يحنوا لك, هيحصل, مش بقول هترجعوا زي الأول لكن الحدة دي هتقل, المهم دلوقتي أقرانك اللي في نفس جيلك, ممكن ينخدعوا و يمشو على كلام أهاليهم, بس مش أوي, لأنهم صحابك أكتر, و لأنهم برضه بيعانوا من مواقف شبيهة, اه مش لنفس الدرجة, بس هيطعاطفو معاك
أولاً بقى, خلي عندك شوية تسامح, متملاش قلبك حقد كده, حتى لو مبرر, متعيش بيه, خفف عن نفسك, متفكرش في عذاب حياتك كتير, حاول تفتكر اللحظات السعيدة اللي عشتها معاهم, متنكرهاش, أكيد كان فيه, حتى لو قليلة, و يا ريت لو بعد مدة يكون الجو هدي شوية, روح لوالدتك في وقت والدك مش موجود فيه, مش بقولك تعتذر على ذنب معملتوش, بس اطمن عليها و اسألها على والدك و امشي
أنا أكيد مش هقولك تديلهم خدك الأيسر, لكن حاول متظلمش نفسك بإنك تشيل حقد كتير على قلبك, و يوم ما يحتاجوك ما تفكرش فيها إنها سلف و دين, لو شايف إنهم معملوش فيك خير, خليك إنتا السابق بيه

أنا شايف أختك كاتبة تعليق هنا, انتوا أدرى بعلاقتكو, لكن أنا حاسس فيه بالصدق, لو انتا فاكرلها يوم وقفت فيه ضدك و هي صغيرة, فالنهارده أصعب عليها من الناحية الرسمية و التزامها ناحية أهلكو إنها تكتبلك كده قدام كل اللي بيقرا, مش كده برضه
انتا فقدت الكتير بسبب ظلمهم ليك, ماتفقدش أكتر و بسبب ظلم نفسك
كلم أختك, و لو ينفع أخوك, هما مش أعداءك بالتبعية

أخوك خالد

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP