خائف من الحب

>> 24 July 2008


حينما رآها أول مرة لم يستطع أن يتجنب الأعجاب بها .... لم يستطع أن يمنع نفسة عن ملاحقتها بنظراتة التائهة ... لم يستطع أن يحول ذهنة عن الأنشغال بها .... لم يقدر على كبح جماح قلبة الثائر من جديد ... ظل يتابعها و هو خائف من أن تلاحظ عيناة المترصدتان و عقلة الشاغف بها .... أو ربما كان خائفا أن يعترف أن عيناة و عقلة قد عصياة
لم يعتاد أن يعجب بالفتيات ... كان دائما يرى فيهن السذاجة و التفاهة و ضآلة المعرفة .... دائما ما كان يمل من أحاديثهن السطحية عن الطبيخ و الملابس و أساليب حرق وقت الفراغ .... بينما هو كان قد تقمص شخصية المحاربين المقدسين .... ألة نفسة فى محراب الفكر و كرس كل جهودة لكى يسير الكون كلة فى مدارات يكون فكرة و أبداعة هو مركزها ... كان يرى فى الفلسفة ذاتة .... كانت المعرفة هى الشئ الذى يميزة عن الآخرين .... كان يخاف من أن يتخيل ذاتة بلا علم .... كان فى أعماقة يدرك جيدا أنة بدون العلم blank ... لا شئ
أما هى ... فقد كانت من الطراز الذى يهواة ... شعر بالنقص و القصور أمامها ... رأى فيها الأنسانية الجادة الراقية التى يبحث عنها ... لم يشعر أنها حيوان مدلل لا يبحث ألا عن الطعام و الشراب و الجنس ... كم كان مسرورا و هى تقارعة الحجة بالحجة و تستهين بأقوالة و ترد علية من علومها و معارفها ... كان مستمتعا بأكتشافة الجديد : لقد وجد أمرأة تفكر
أمرأة تفكر !!؟؟ .... كم ظلموا المرأة !! .... و كم ظلمتها الأديان !! ... قالت التوراة عنها على لسان سليمان " بحثت عن رجلا حكيما فوجدت واحدا من كل ألف ، أما بين النساء لم أجد " .... ثم جاء الأنجيل ليجعل الرجل رأسا للمرأة ، و كان هذا تعبيرا مقصودا بة أن العقل صفة ذكورية تفتقر إليها الأنثى ... ثم جاء الأسلام ليجعلها ناقصة عقل و دين
كانت تتحرك كالنحلة حول أطراف المكان .... تجادل هذا بحنكة ، و تقنع ذاك بأقتدار .... تساعد هذا عن خبرة ، و تعطى أوراق لذاك فى أبداع .... تفاوض هؤلاء بذكاء ، و تطرد أولئك خائبين .... كانت نموذجا حيا متحركا يحطم كل ما قيل بسذاجة عن عقل المرأة
لم يكن يقصد أن يكون فى ذاك المكان فى هذا الوقت .... كان محتاجا لبضعة مستندات من صديقة الصحفى .... تأخر صديقة فى أعطاؤة المستندات .... أتصل بة كثيرا و فى كل مرة يتعلل صديقة بضيق الوقت و يدعوة لزيارتة فى مقر الجريدة ليأخذ الأوراق بنفسة .... كان يعلم أن صديقة يتهرب من زيارتة .... الكثيرون فعلوها معة .... كان كالعباقرة المجانين الذى يتحاشاهم الجميع خوفا من علومة التى يجهلونها .... فاض بة الكيل من تمنع صديقة ، فقرر كسر خلوتة مع العلم و ذهب إلية فى جريدتة
فى البداية أستقبلة صديقة بترحاب مصطنع .... قال لة أن الأوراق التى طلبها موجودة فى مكتبة الجريدة ، و لكن تصادف أن مجموعة من الزملاء يعقدون أجتماعا فى المكتبة فى هذا التوقيت .... فطلب منة أن ينتظر نصف ساعة فقط حتى ينتهى الأجتماع و يحضر لة الأوراق ، و دعاة لمشاركتة هو و زملاؤة فى الحوار
أستقبلتة المجموعة بتحية صفراء معتادة فى الجو الجليدى المتبلد الذى تنمطنا علية .... عرفهم بنفسة فرأى نظرات التقدير البراجماتية فى أعين بعضهم ، و الأستهانة المتغطرسة فى أعين البعض الآخر .... و كانت هى من بينهم ... كانت ثقتها فى نفسها بلا حدود .... مراجعها حاضرة و أدلتها تحت الطلب فى كل مكان .... تثق بعلمها ثقة الباحث المنقب عن العلوم و الذى أخرجها من خباياها بيدية ، و أبعد ما تكون عن زعزعة الناقل المترنح بين القيل و القال .... أختلفت معة و ناظرتة كند لة .... لم تشعرة أنها أقل منة .... لم تشعرة أنها زيل للرجل كل همها أن تستظل بظل رجل عوضا عن ظل الحائط .... كانت بعض آرائها صائبة تستحق أن توضع فى الأعتبار ، و بعض آرائها أبداعات لا تخلو من أصالة و أبتكار ، و بعضا غير قليل كان سخافات محاطة بأسوار من الأنفة و الكبرياء
و بمجرد أن أرتعش قلبة أرتجفت أوصالة رعبا .... شعر برغبة عارمة بأن يترك المكان .... كان يتمنى الهرب ولو حتى من النافذة .... أحس و كأن حياتة تختطف من بين ضلوعة كلما أستمر بقربها .... أحس أنها وحشا مفترسا يغرس أنيابة فى شرايينة .... أحس أن كل دقيقة يقضيها فى هذا المكان يفقد فيها شيئا من كيانة و قوتة و أنفراديتة و تسلطة الدهرى على ذاتة
كانت الحرب قد بدأت .... و لكنها لم تكن حرب المدافع و الطائرات .... كانت حرب الدوافع و الرغبات .... كان فى داخلة و بصراحتة المعهودة قادرا على الأعتراف بالأعجاب بها .... كان قد كفر بتوحدة المقدس و رأى الإلهة التى تستحق أن ينزل من عرشة ليجلس جانبها .... و لكن لكى يتقدم خطوة أخرى للأمام كان علية أن يقاتل جيشا من المخاوف
نعم ، المخاوف .... كان داما يهرب من هذة الحقيقة .... كان دائما يخاف من الحب ... يرتعش أذا ما شعر بالهوى يطرق باب قلبة ... لا يتذكر ما السبب الذى جعلة يربط بين الحب و الضعف .... بين الحب و الموت ... بين الحب و الهزيمة .... لم يكن يرى فى أنطونيوس و كليوباترا عاشقان ولهانان ، و أنما كان يرى فيهما هزيمة أكتيوم و زعاف سم الأفعى يسرى فى شرايين كليوباترا .... لم يكن يرى فى روميو و جوليت الحب و التضحية و الوفاء ، و أنما كان يرى فيهما المقبرة و الخنجر و قنينة السم .... قرأ ذات مرة أن الجنس هو سبب سقوط الأمبراطورية الرومانية ، لم يكن يعرف كيف حدث هذا ، و لكن العبارة ربطت فى عقلة الباطن بين الحب و أنهيار حضارة و أنجازات مئات السنين .... لم يكن يرى فى مجنون ليلى ألا معتوها أضاع عقلة من أجل فتاة بدوية أمية لا تختلف عن أى فتاة فى جزيرة العربان ... لم يكن يرى فى قصص الحب ألا عذاب الأحاسيس و آلام العشق و جحيم الهوى
أحيانا كان ينبش فى أعماقة عن آثار مخلفات الأديان ... أحيانا كان يرى يوسف الهارب عاريا من أمام زوجة سيدة ... و أحيانا أخرى يتطلع إلى داود النادم بعد فعلتة مع زوجة قائد جيوشة ... و أحيانا كثيرة يرى خصيان الرهبان فى مغائرهم المائتة و القاتلة للحياة ... يرى كل هذا و يتسائل : لماذا يحارب الدين الحب ؟ .... يدعى أنة يحارب الكراهية ، بينما نراة يحارب الحب ؟ .... لماذا الحب من الكبائر ؟ .... لماذا الخوف الهستيرى عند الأديان من الحب ؟
لهذا كان يرتعش من فكرة الحب ... كان يشعر أنة حكم الأعدام .... كان يشعر أنة أذا سمح للحب أن يدخل قلبة يكون كمن يفتح قلاعة ليدخلها جنود الأعداء .... أو كمن يفرح بحصان طروادة غير مدركا أن الدمية الآمنة تحمل داخلها الموت ذاتة ... كانت كل تصرفاتة تنم عن فوبيا جديدة لم تتكلم عنها الكتب و المراجع .... فوبيا الحب
حاول أقناع نفسة .... قال لذاتة : الحب هو أضافة نقطة ضعف جديدة لك ... أنت الآن حرا تفعل ما تشاء .... تنام و تصحو وقتما تريد ... تأكل و تشرب و تسكر وقتما و كيفما يحلو لك .... تسافر و تهاجر و تعود حسب هواك ... و أذا جائك الموت أو السيف أو الضرغام تستقبلة باسما لأنة لا يوجد لك شيئا على الأرض تحبة أو تتمسك بة ... تكتب و أنت لا تخاف من العواقب ، فالحياة العبثية لا خسائر فيها ... تعيش كفارس أسود لا يعرف كنيتة أحد ، و لا يهتم ببشريتة أحد .... ألا تعلم أن الحب عبودية ؟ ... ألا تعرف أن الحب شراكة تفقدك خصوصيتك و أرادتك الحرة بل و حياتك الفردية ؟ ... الحب موت للأنسان الفرد و ميلاد للأنسان المجتمع

و هكذا ظل يحادث نفسة و هو ينصرف من الجريدة دون أن يأخذ أوراقة ... يتقاذفة الفكر بين أعجابة بالمرأة الجديدة ، و بين فوبيا الحب

4 comments:

Anonymous,  28/07/2008, 03:49  

هذه القصة تنطبق عليها كلمات أغنية كوكب الشرق، أم كلثوم، التالية: حب إيه اللي إنت جي تقول عليه -- هو إنت عارف قبلَ معنى الحب إيه... مع أطيب التمنيات

http://pastoralfred.maktoobblog.com 28/07/2008, 13:30  

تعليقي:
قلت خلال قصتك هذه العبارة والتي أريد أن أرد عليها ردًا سريعًا:
"... قالت التوراة عنها على لسان سليمان " بحثت عن رجلا حكيما فوجت ـ خطأ مطبعي حيث نقص حرف الدال ـ (فوجدت) واحدا من كل ألف ، أما بين النساء لم أجد " .... ثم جاء الأنجيل (الإنجيل) ليجعل الرجل رأسا للمرأة ، و كان هذا تعبيرا مقصودا بة (به) أن العقل صفة ذكورية تفتقر إليها الأنثى ..."
اقتباسك لقول سليمان فقط ظلم لكل العهد القديم من الكتاب المقدس. وشرحك لمعنى الرجل رأس المرأة ظلم لكل العهد الجديد. لقد ظلمت في جملتك الاعتراضية كتاب الكتب الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. دستور الإيمان والأعمال.
عزيزي مايكل؛ ماذا عن وجود نبية وملكة وقاضية في العهد القديم؟ ولأن هذا رد سريع فلن أتمكن الآن من ذكر آيات أخرى كثيرة تضع المرأة في نفس مستوى الرجل بلا فرق؛ فحواء كانت معينًا نظير آدم (اقرأ سفر التكوين). حواء اخطأت وآدم أخطأ. وكلاهما طُردا من الجنة.
إن تعبير رأس المرأة يعني النبع والمصدر والأساس والمسئولية والمحبة ولا يعني أن عقل الرجل صفة ذكورية تفتقر إليها الأنثى. فهناك عاقلون وغير عاقلين بين الرجال والنساء على حد سواء. تعبير رأس المرأة يعني أن يكون الرجل على استعداد أن يموت من أجل من أحبها وتزوجها؛ كما أحب المسيح الكنيسة ومات من أجلها. و(في المسيح) لافرق بين رجل وامرأة بين عبد وحر بين غني وفقير بين يهودي وأممي بين جاهل ومتعلم لا فرق. الإيمان الاختباري (معرفة الله الاختبارية) يساوي بين كل هؤلاء وهذا هو المقصود بتعبير (في المسيح). "وإن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة الأشياء العتيقة قد مضت والكل صار جديدًا.
سلام ونعمة ورحمة وبركة المسيح معك؛ ومع كل رجل وامرأة.
القس الفريد فائق صموئيل

Maikel Nabil Sanad مايكل نبيل سند 30/07/2008, 04:37  

سيادة القس الفريد
فى البداية أشكرك على لفتك لأنتباهى نحو الأخطاء اللغوية ، و سأعمل على تصحيحها فى أقرب وقت

بالنسبة لوضع المرأة فى الكتاب المقدس
رأيى أن الدفاع عن الجريمة ، هو أشتراك فيها و مساعدة على أستمرارها
أعرف بوجود قاضية فى العهد القديم ، و لكن هذة نصف الحقيقة ، و النصف الآخر هى أنها قاضية واحدة من بين عشرات القضاة الذين حكموا شعب أسرائيل حوالى 400 عام
أما الملكة ، فلعلك تقصد أستير زوجة الملك الوثنى ( ألم يكن زواج اليهود من الوثنيين محرما ؟ ) ، و لعلك تعلم أن سفر أستير هو السفر الوحيد فى العهد القديم الذى لم يأتى فية أسم الله ولا مرة ، الأمر الذى جعل الكثير من علماء التوراة يحتسبونة كتابا قوميا مدنيا و ليس سفرا مقدسا ... و حتى هذة الملكة لا تحسب على العهد القديم لأنها لم تكن ممسوحة بالزيت المقدس مثل الملوك الذكور ، و لأنها جلست على عرش مملكة وثنية و ليس المملكة الثيئوقراطية التى كان يهيمن الذكور عليها ... و نعود و نقول أنها كانت ملكة واحدة من بين عشرات الملوك الذكور ، فأين المساواة و العدالة ؟
تقول حواء أخطأت و آدم أخطأ و كلاهما طرد من الجنة ... و لكن يا عزيزى بولس الرسول لا يراهما متساويان ، فهو يقول : " لتتعلم المراة بسكوت في كل خضوع. و لكن لست اذن للمراة ان تعلم و لا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت. لان ادم جبل اولا ثم حواء. و ادم لم يغو لكن المراة اغويت فحصلت في التعدي. و لكنها ستخلص بولادة الاولاد ان ثبتن في الايمان و المحبة و القداسة مع التعقل " ( 1 تى 2 : 11 - 15 )

يا عزيزى ، أن أحترامى للكنائس البروتستانتية مرجعة أحترام البروتستانت لعقول سامعيهم ، و لعدم دفاعهم عن جرائم رجال الدين عبر العصور ، و لتفريقهم بين أقوال المسيح و بين أقول رجال الدين عبر العصور ، و لأعطاؤهم المرأة حقوقها .... فلماذا العودة للوراء ؟
سيادة القس .... البروتستانت فى الخارج قاموا بمساواة المرأة بالرجل فى أحقيتها بالرتب الكنسية ، و أصبحت المرأة قسيسية و شيخة و راعية و أسقفة و رئيسة طائفة ، فياترى ما الذى يؤخر بروتستانت مصر عن اللحاق ببروتستانت العالم ؟ ... أتمنى أن يكون المانع خيرا

تحياتى

sahar 13/03/2012, 17:11  

كأنك بتتكلم بلساني يا مايكل
هايلة .. و فاهماها اوي

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP