أنا أصلا ميولى أدبية

>> 14 August 2007


خضت فى الفترة الأخيرة صراعات سياسية عديدة , معظمها كان مع أصدقاء الأمس الذين فى لحظة تحولوا إلى أعداء اليوم .... العديد من الرسائل المرهقة للأعصاب و عشرات الأتهامات , و العديد من الملاحقات فى موضوعات جانبية هامشية لا فائدة لها سواء أرهاقى و منعى من عمل شئ أيجابى ... كل هذا جعلنى أعيد التفكير فى مجمل نشاطى السياسى فى الفترة الماضية .... أستطيع أن أقول أنها كانت جلسة مع النفس لفحص طبيعة نشاطى و أسبابة و نتائجة فى كل الفترة الماضية

رجعت بذاكرتى عام و نصف للوراء , و هو التاريخ الذى بدأت أتعرف فية على النشاط السياسى من الناحية العملية .... قبل هذا الوقت كانت كل ميولى أدبية , فمحبتى للقراءة التى زرعتها فيا اسرتى منذ طفولتى حتى من قبل أن أتعلم القراءة كانت هى المحرك الرئيسى لحياتى , فبداية من قصص العصفورة و الكلب و القطة التى كانت تقرأها لى أمى و أنا دون الثالثة , إلى ميكى ماوس و دونالداك فى السابعة , إلى رجل المستحيل و الأصدقاء الأربعة فى العاشرة , إلى عشرون فرسخ تحت البحر و قصة مدينيتين و الرباط المقدس فى الثانية عشرة , إلى الأدب المسيحى فى الرابعة عشرة , إلى جون ستيوارت ميل و سلامة موسى و الألياذة العام الماضى ..... رحلة طويلة مع الأدب أمتدت لحوالى 19 عاما , أرتقيت فيها من أول خطوة و أنا خالى العقل من المبادئ و الأفكار و الفلسفات , و تعرضت فيها للعديد من الأفكار و التيارات الفكرية , و كونت رؤى نسبية بطبيعتها قابلة دائما للتطوير و التصحيح و التفعيل

و لم تكن علاقتى بالأدب هى فقط علاقى المتلقى السلبى , فقد كانت لى بداياتى الأدبية البسيطة , فى صورة نثريات و مقالات و قصص قصيرة , و أكثر من مرة أبدأ فى كتابة رواية , و لكنى دائما كنت أتوقف أحباطا من شعورى أننى لن أجد من يقرأ كتاباتى .... و بصراحة هذا العنصر يكاد يكون العنصر المحرك لكتاباتى , فالكثير منها لم يكتمل حتى الآن لشعورى أن القراء لن يهتموا بقرائتة , و لم أنشر حتى الآن ألا ما كان تعب كتابتة أقل ممن سيقرأون ما كتبت

أذن لماذا دخلت فى السياسة ؟ .... هذا السؤال المحير الذى هو بالنسبة لى : كيف تحولت من أديب مبتدئ إلى كاتب سياسى ( مبتدئ أيضا ) ؟ .... سؤال محير بالنسبة لى لسبب بسيط جدا و هو أن التحول حدث دون أن أدرى .... فقد بدأ الموضوع بمجرد علاقة مع حزب مصر الأم القديم , و حينها طلب منى مشرف موقع كيميت ساجى أن أكتب مقالات للموقع ..... لم أكن قد نشرت أى شئ قبل هذا التاريخ , و كنت متهيبا جدا من مواجهة الرأى العام بأفكارى .... كتبت أول مقال و أنا فى غاية الأرتباك ..... رغم أنى كتبت قبل ذلك مئات الصفحات , ألا أنها كانت أول مرة أكتب شئ و أنا أعلم مسبقا أن غيرى سيقرأ ما تسطرة يداى .... كانت مقالاتى الأولى كلها ثقافية و ليست سياسية ..... مقالات فى المصريات و الثقافة المصرية و علاقتها بالثقافة العربية و أدب الرحلات .... إلى أن أستطاع مدير الموقع بذكائة الأيقاع بى و ضمى للحزب المصرى الليبرالى , و بدأت دون أن أشعر أنجذب نحو السياسة , و أضطررت لكتابة موضوعات سياسية كإلتزام نحو الموقع و العمل الحزبى ..... و تدريجيا بدأت أنسى الأدب , و أهملت قراءآتى و كتاباتى القصصية و الادبية , و أصبح كل ما يشغلنى حاليا هو متابعة الأخبار السياسية و التعليق عليها .... و مع الزمن أصبحت طرفا فى صراعات أيديولوجية سياسية بعيدة عن مدارس الأدب تمام البعد , فقد تحولت إلى علمانى مضاد للتيارات الدينية , و رأسمالى معادى لليساريين , و قومى مصرى معادى للعروبيين و الأسلامين الذين لا يعترفون بالوطن الجغرافى ..... و دخولى فى هذة الصراعات أجتذب كل أنتباهى و وسط فوضى هذة الخلافات نسيت أحلامى الأدبية

إلى أن جائت الصراعات الأخيرة و جعلتنى أقف أمام نفسى , و جعلتنى أحسب الأمور من الجديد , و أول ما فكرت فية هو مدى ملائمتى للعمل السياسى .... فأكتشفت و بصراحة شديدة أنى لا أناسب العمل السياسى لأسباب كثيرة جدا .... فعلى سبيل المثال يعتمد العمل السياسى على الميكافيللية و هى تعنى أن الغاية تبرر الوسيلة , و أنا بصراحة من الأيديولوجيين المثاليين الذين يؤمنون بمبادئ براقة لا يتنازلون عنها حتى لو تعارضت مع مصالحهم , و ظهر هذا العيب فى نشاطى السياسى حينما تم طرح موضوع الأحزاب الدينية للنقاش , و قام الليبراليون بميكافيلليتهم برفض قيام مثل هذة الأحزاب رفضا باتا , و بقيت أنا بأيديولوجيتى الليبرالية أرى أن رفض كل الأحزاب الدينية بطريقة مطلقة شئ غير مقبول , و أننا يجب ألا نقيد التيارات الدينية التى لا تمتلك ميليشيات مسلحة و تؤمن بتداول السلطة بالطرق السلمية ..... و بصراحة شديدة , كان موقفى من الناحية السياسية خاطئا , فالسياسة مصالح و المصالح تفرض على السياسى أن يبيع مبادئة من أجل مصلحتة و مصلحة ناخبية و أنا رفضت أن أفعل هذا

أيضا مع تعمقى فى الأدراك السياسى وجدت أن الممارسة السياسية ستجرنى إلى ممارسات لا أقبلها فلسفيا و أخلاقيا , فمثلا أنا من مؤيدى الأعتراض السلمى و أرفض الحروب و النزاعات المسلحة و الحروب بل حتى عقوبة الأعدام , و فلسفتى فى رفض الحروب قد أخذتها عن الفيلسوف المصرى الراحل " محمد كامل حسين " و هى فلسفة تقلل من فرص الحروب إلى مدى كبير , و لكنها و بكل أسف صعبة التطبيق جدا مع متخلفين يستخدمون السيارات المفخخة و الميليشيات المسلحة و الأغتيالات السياسية و أسلحة التكفير الدينية , بل الصعوبة تزيد داخل الحقل السياسى من قبل الزملاء الذين لا يؤمنون بأفكارك المثالية و لا يوافقون على أن تسير المؤسسة التى تنتمى إليها من خلال أفكارك المثالية , فالشخصية المثالية لا تصلح للعمل السياسى , لانها ستجد نفسها مضطرة للبقاء فى هيئات لا مبادئ لها ترتكب أشياء ترفضها مثاليتها

طبعا تذكرت جملة توفيق الحكيم أديبى المحبوب " ان الحاكم لا يريد من المفكر تفكيرة الحر بل تفكيرة الموالى " و هذا جعلنى أعتقد أكثر أن المفكر أذا أراد ان يعيش حرا , فعلية ألا يرتبط بأى نظام سياسى و بهذا يظل بعيدا عن المصلحة السياسية و بعيدا عن الضرر النفسى الناتج عن قبول أوضاع لا تقبلها مبادئة

لا أدرى .... هل أعتزل العمل السياسى و أعود للأدب و الثقافة و الفلسفة ؟ هل أعود للمثاليات النظرية و أترك الواقع الأليم الملئ بالمتناقضات للبراجماتيين ( النفعيين ) الذين يجيدون التعامل معة ؟ أم أغير من نفسى لكى تكون أقدر على التواؤم مع الواقع ؟ سؤال لم أضع جوابا لة , و لكن المستقبل قطعا سيحدد إلى أى الجوانب سأميل

0 comments:

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP