موقفى من التعريفات الدولية

>> 08 July 2007

الأسبوع الماضى كنت فى أجتماع مع بعض النشطاء السياسيين , و تم أثناء الأجتماع طرح مجموعة من تعريفات للمصطلحات السياسية منقولة عن بعض الموسوعات الأجنبية الشهيرة , و كان الهدف من طرحها هو أعتبارها مقياسا للمصطلحات التى نستخدمها فى عملنا السياسى ... ألا أن الحاضرين فوجئوا برفضى لفكرة الألتزام بالتعريفات الشهيرة ( التى يقولون عنها أنها دولية ) , و تم النظر إلى على أنى متخلف قادم من تحت الجاموسة من مجاهل الصعيد الجوانى ... لذلك أحببت أن أوضح فى هذا المقال أسباب رفضى للتقيد بالتعريفات العامة
أولا : يجب أن نعترف أنة لا يوجد شئ أسمة تعريف دولى لأى مصطلح سياسى , فأى مصطلح سياسى ( علمانى , ليبرالى , يسارى ..... ) ستجد أن الموسوعات المختلفة قدمت لة تعريفات مختلفة , كل بحسب وجهة نظرة , و هذة التعريفات بالطبع تتقاطع فى مفاهيمها ألا أنها فى كل الأحوال لن تتطابق تطابق كامل لا لفظيا ولا مضمونا , و التفصيل فى هذة النقطة سيجعلنا ندخل فيما يشبة ال Comparative Terminology أو علم المصطلحات المقارنة
ثانيا : التعريفات الدولية غير معصومة بل قابلة للخطأ , و كلنا نعرف أنة منذ 300 عام فقط كانت التعريفات الدولية تقول أن الأرض مسطحة و أن الشمس تدور حولها و أن القمر جسم مضئ إلى آخر تلك الخرافات التى كانت بديهيات و ثوابت غير قابلة للنقاش , و كلنا نعرف أنة تمت محكمة جاليليو بتهمة الهرطقة حينما حاول مناقشة هذة الأمور , و مع الزمن أدركت البشرية أن هذة الثوابت خاطئة و بدأت تتحرر من فكرة الثوابت و تتخطى هذة الأخطاء .... فأذا كانت التعريفات الدولية غير معصومة و قابلة للخطأ , فلماذا أقيد نفسى بها ؟ و لماذا لا أستخدم عقلى و أقدم تعريف يتناسب مع واقعى العملى ؟ ... طبعا أنا هنا لا أعنى تجاهل و تجاوز الخبرة الأنسانية العامة و لكنى أرفض التقيد بها
أعترض البعض على هذة النقطة و قالوا أنة منذ 300 عام لم يكن هناك شئ أسمة تعريف دولى , و هنا أحب أن أنوة إلى أن كلمة تعريف تعنى " النص أو التفسير المتعارف علية " و دوران الشمس حول الأرض و غيرها من الأمور كانت نصوص و نظريات متعارف عليها , و هذا يضعها فى خانة التعريفات الدولية
ثالثا : أنا أؤمن بالنسبية إلى مدى بعيد جدا , و لا يوجد عندى شئ مطلق ألا النسبية .... فالنسبية هى الحقيقة المطلقة الوحيدة التى أؤمن بها , و بالتالى فأنا أرى أن هذة التعريفات نسبية تختلف من وقت لوقت و من مكان لمكان , و آلية تنفيذها تختلف من موقف لموقف و من ظروف لظروف , و التعريفات العامة نفسها لا تنكر ذلك .... فلماذا أذن أقيد نفسى ألتزاما بنص نسبى بينما من وضعوة أنفسهم لم يلتزموا بة حرفيا ؟ و خير دليل على ذلك هو مقولة كارل ماركس " أنا لست ماركسيا " .... فأذا كان كارل ماركس لا يتبع منهجة بحرفية , فهل من المعقول أن أتمسك بتعريف معين أكثر ممن وضعوة ؟
رابعا : أنا أرى فى الخضوع و الخنوع أمام التعريفات الدولية نوع من الثيئوقراطية العلمانية ... فأنا أرفض أن تتحول التعريفات الدولية لنصوص مقدسة غير قابلة للنقاش و من يعترض عليها يتم تكفيرة و أتهامة بأنة خرج عن الفئة المنتمى إليها .... نحن نرى كيف يكفر الثيئوقراطيين بعضهم البعض , و كذلك الماركسيين و اليساريين لدرجة أنهم يعتبرون لينين و النظام السوفيتى بأكملة بأنة لم يكن شيوعيا من الأساس , و لكن أن تنتقل فكرة المقدسات للعلمانيين الليبراليين فهذا شئ جديد فعلا ... أنا لن أقدس أى نص , و أرى أن عقلى هو الحكم فى قبول الشئ أو نقيضة , و لكن أن أقبل بما أنزل إلى بدون نقاش , فهذا ما لن يحدث أبدا
خامسا : التعريفات الدولية تختلف عند تطبيقها , فهناك بون واسع بين النظرى و العملى , و سأطرح مثالا بسيطا يوضح هذة الحقيقة
من المتعارف علية دوليا عند كل البشر أن درجة غليان الماء 100 درجة سليزية , و لكن الكارثة أننا نهمل المنهج التجريبى , فكلنا نؤمن أن هذة الحقيقة ثابتة غير قابلة للنقاش على الرغم من أن أحدنا لم يمسك بترمومتر و يغلى الماء المقطر ليتأكد بنفسة من درجة غليان الماء , بل معظمنا لم يسأل نفسة أسئلة بسيطة من أمثلة : هل من المعقول أن درجة غليان الماء فوق قمة جبل هى نفسها درجة غليانة فى منخفظ أو وادى ؟ هل نوع الماء و مصدرة و كثافتة لن تؤثر فى درجة غليان الماء ؟ بل الأبسط من كل هذا : كيف تتحول درجة غليان الماء إلى 140 درجة داخل الحلة البريستو ( الضغط ) ؟ .... فأذا أتخذنا المنهج التجريبى , سنجد أن ال 100 درجة هى متوسط درجة غليان الماء , قد تزيد و قد تنقص , ألا أن المتوسط هو 100 درجة .... بمعنى أن قراءة 99.9 هى قراءة صحيحة لغليان الماء , و أيضا 100.1 درجة هى قراءة صحيحة أيضا ..... سنجد أيضا أن العناصر الذائبة فى الماء تؤثر على درجة غليانة , فليس كل ماء درجة غليانة 100 درجة , فالماء المخلوط بالزيت يختلف عن الماء الذائبة فية بعض المعادن .... بل و الأهم من هذا كلة سنجد أن درجة غليان الماء تختلف أختلافا كبيرا حسب درجة الضغط الجوى , فهى 100 درجة عند الضغط الجوى الطبيعى , و لكن هناك تناسب طردى بين درجة غليان الماء و الضغط الجوى , فكلما أزداد الضغط الجوى كلما أزدادت درجة غليان الماء ( درجة الحرارة التى ينتقل فيها الماء من الحالة السائلة للحالة الغازية ) , و هذة هى تقنية الحلة البريستو , فهى تزيد الضغط الجوى داخلها , فلا يغلى الماء عند درجة 100 و تستمر حرارتة فى الأرتفاع إلى 140 درجة دون أن يتحول لبخار ماء
و هنا أسأل : هل التعريف الدولى لدرجة غليان الماء خاطئ ؟ .... بالطبع لا , و لكن هناك عوامل متعددة يجب مراعاتها عند التطبيق العملى و من الغباء تجاهلها , فأنا لا أرفض التعريفات الدولية و لكنى أرى أن هناك خصوصية عوامل لكل كوب ماء يجب مراعاتها عند التطبيق العملى , و بالتالى فهناك خصوصية عوامل يجب مراعاتها عند تطبيق أى نظرية سياسية
سادسا : أنا أرى فى اللجوء للتعريفات الدولية نوع من العجز و الرغبة فى عدم التفكير , فبدلا من النقاش الموضوعى حول منطقية كلامى و مدى توافقة , أجد أن الأشخاص يهربون و يأتون بنصوص أجنبية لم يشاركوا فى أبداعها و يضعونها أمامى و يقولون لى " هذا هو ديننا " و يتركونى , و قد كنت أفضل النقاش الموضوعى عن هذا الأسلوب
سابعا : لنفترض مثلا أنى أبتكرت مذهب سياسى جديد , و سأسمية مثلا " الليبرالية الجديدة " أو " الليبرالية المعدلة " أو حتى أسمية على أسمى و يصبح أسمة " الليبرالية المايكلية " , و لأن المذهب جديد فلن تجدوا تعريفات دولية لة , فهل ستبقوا صامتين منتظرين وصول التعريفات الدولية ؟ أم ستناقشونى فى مضمون أفكارى بغض النظر عن الأسم ؟ ... فليست القضية الحقيقية أنى أقول أنى ليبرالى و لا التزم بالتعريفات الدولية , و لكن القضية الحقيقية هى هل ما أقولة منطقى أم لا ؟ فى مصلحتنا كليبراليين أم لا ؟

0 comments:

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP