ثقافة اللغو

>> 08 November 2006

وصلتنى رسالة من أحد معارفى على بريدى الألكترونى ... أحد الأشخاص الذين عادة لا أتلقى منهم أى رسائل ... و فوجئت بأن الرسالة تبدأ بجملة : " نعمة لكم وسلام من الله ابينا والرب يسوع المسيح الذي احبنا واسلم نفسه لاجلنا الذي له الاكرام والمجد الدائم امين " بل و يستكمل خطابة قائلا : " اعرفك باننا جميعا بخير ولا ينقصنا سوي رؤياكم الغاليه في اسعد حال واهنا بال " و تمتلئ رسالتة بعبارة الود و المحبة و وصفى بصفات طيبة مثل " العزيز " و " الغالى " و غيرها من العبارات التى تسبى الأذن و تخدر العقل .
كم تعجبت من هذة التعبيرات التى تصدر عن مجتمع تشبع بثقافة اللغو , ثقافة القول و اللا فعل ... ثقافة لا تثمر ألا أمثال يهوذا و قبلتة القاتلة ... ثقافة الذئاب فى ثياب حملان ... ثقافة الغاية تبرر الوسيلة ... ثقافة " لا تقل الحقيقة بل ما يريد أن يسمعة الآخرين " ... ثقافة البروباجاندا .... ثقافة الشعر و النثر و المعلقات و ليست ثقافة العلم و الحقيقة و الأرقام ... ثقافة تبيح للشخص أن يقول أروع الكلمات و أسمى العبارات بينما أفعالة تناقض لسانة.... فأذا سمعت شخص يتكلم تشعر أن هذا الكلام يقولة شخص آخر غير الذى تراة ... فلا تصدق عينيك و تجلس تضرب أخماسا فى أسداس تحصى عدد الوجوة التى يمتلكها هذا الشخص و لا تستطيع
كأن تقابل شخص فى الشارع فيقول لك : " أتفضل " و لن تسألنى : أتفضل فين ؟ .... أو تزور شخص فى منزلة فيكلمك من على الباب و حينما تهم بالأنصراف يشير للداخل و يدعوك للدخول و كأنة لم يشعر أنك واقف بالخارج طول الحديث حتى هذة اللحظة .... أو تمتدح ملابس أحد الأشخاص فيقول لك " أتفضل " و كأنة سيعطيك أياها و يرجع بيتة بدونها ... أو يخرج أحد المسؤولين فى التليفزيون الذى أختنقنا منة ليقزز آذاننا بأرقام و تصريحات عن مستوى النمو الأقتصادى و التقدم فى مصر بينما يدرك الرضيع قبل الشيخ أن هذة الأرقام ليس لها وجود ألا فى الورقة التى يقرأ منها سيادتة .... أو يخرج أحد المجاذيب و يمسك بميكروفون فى أحد الشوارع و يصول و يجول , يتوعد و يهدد , يكفر المجتمع بأكملة و يتحدى العالم كلة , يدعو أوربا لتغيير دينها و ألا !؟ , بل و يدعو الرئيس الأمريكى لأن يهتدى .. كل هذا و هو لا يملك قوت يومة و لا يعرف أى شئ عن ثقافة و قوة و شخصية البلاد الأجنبية التى يتحدث عنها ... ببساطة لأنة لم يخرج فى حياتة و لا مرة من القمقم الذى يعيش فية و آفاقة لا تمتد لأبعد من المثنى و الثلاث و الرباع .. يتصرف كأنة أحد الديناصورات بينما حينما تراة لا يخطر ببالك ألا صورة كلب يعوى ليلا من البرد و الجوع
أرجع لصديقى صاحب الرسالة , هذا الذى يتكلم عن سلام اللة بينما هو شخصية سيكوباتية تتلذذ بنزع السلام من الآخرين بل بدفعهم – إن أمكن – على الأنتحار ... يتكلم عن النعمة بينما هو يعوق عمل النعمة و حسب المثل الشائع " لا بيرحم و لا بيسيب رحمة ربنا تنزل " ... يتكلم عن اللة بينما علاقتة بالصلاة و الأسرار و الحياة الروحية تشبة علاقة هتلر بالأنسانية ... يتكلم عن الرب يسوع المسيح بينما هو بيلاطس و هيرودس و حنانيا و قيافا و يهوذا فى آن واحد... يتكلم عن محبة اللة و فدائة بينما لا يعرف عنة كل الذين حولة ألا الأذى و تقديم الذبائح البشرية ... يتكلم عن رؤياى الغالية بينما يحرص أن يكون كل لقاء بيننا لقاء لا ينسى من كم الأهانات التى يهدينى أياها ... يتكلم عن رؤيتى فى اسعد حال ( مين عم أسعد دة ؟ ) و اهنا بال بينما هو دراكولا لا يستمتع ألا بمنظر الدم و الملابس السوداء و الدموع على أجفان الآخرين ... يصفنى بالعزيز و الغالى لأنة يفرغ ساديتة فى الجلدات التى يسخن بها ظهرى و فى الخل و الملح الذى يسكبة على جروحى
لا أدرى ... هل شطحت بتفكيرى لأبعد من حدودى ؟ حدودى التى حددوها لى ؟ حدودى التى لا تتعدى أنفى حتى فيما يخصنى ؟ لأنى أبغى أن أعيش فى مجتمع لا يقول ألا ما يعنى ؟ مجتمع لا تحتاج فية لوضع ألف مصفاة على آذانك لتنتقى الشوائب المفيدة من بين طوفان أنهار كلام مشحون بالغازات السامة ؟ مجتمع لا تحتاج فية لأن تنهك نفسك يوميا بالتنقيب بين أكوام الثرثرة عن كلمة مفيدة ؟ مجتمع لا يستنزف وقتك فى التوهان فى دوائر مفرغة من المماطلة و اللف و الدوران و الحديث الذى لا طائل منة ؟
يتكلمون عن حقوق الطفل و المرأة و المعوقين و الأقليات و ينشدون أجمل الأغانى عن الوحدة الوطنية و الحب الحقيقى و يملأون الهواء بأروع الخطب و المقالات عن المبادئ و الضمير و الأصلاح و محاربة الفساد ... و كم كنت أتمنى أن يقولوا ربع هذا الكلام و يفعلوا شيئا على أرض الواقع !!!!!!!

Post a Comment

Every post represents my opinions when I wrote it, but not necessary now!
كل مقال يعبر عن آرائى فى تاريخ كتابته، و ليس بالضرورة عن أرائى حاليا

  © Blogger template Simple n' Sweet by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP